الاغتراب وأثره على الشباب

 

د. آمال جبور 

مدار الساعة - يعيش الشباب العربي صدمة ثقافية اغترابية فرضتها التغيرات والتحولات في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية .

ومع أن التقدم التكنولوجي قد عمل على خلق جديد للعَلاقات الاجتماعية بطريقة مستحدثة، إلا أنّ البعض ما زال في مقاومة شديدة لها، فيبتعد عن معطيات التكنولوجيا ،لحنينه للماضي والتراث في كثير من الاحيان.

وتعد وسائل التواصل الاجتماعي بكل ادواتها، محركا اساسيا لاختزال حياة الشباب داخل صندوق التكنولوجيا ، لتسحبه لحياة افتراضية ، بعيدة كل البعد عن حياته الواقعية ، مما يعزز شعوره بالاغتراب والانفصال عن الاخرين، مكونا لديه مشاعر نفسية سلبية اتجاه محيطه، تتراكم مع الوقت ، لتنعكس على سلوكياته ونتاج تفكيره ، فيزداد خوفا وقلقا، حول تفاصيل حياته المختلفة.يقضي الشباب ساعات طويلة في هذا الوسط الافتراضي ، الذي يجلب العالم بين يديه، لتتزاحم لديه المعلومات والثقافات والهويات واللغات في آن واحد ، ليستفيق بعدها بأنه غريب عن مجتمعه الحاضن لواقعه بكل قيمه وعاداته ولغته وهويته، وهذا يعني الخروج عن الذات وفقدانها.

إنّ عَلاقة الشباب بماهو جديد، وعَلاقته بثقافته وخصوصاً في جانبها الفكري، يشكل محوراً مهماً في تشكيله اجتماعيا، وبالتالي فإن علاقته مع ثقافته، تشكل المنتج الاجتماعي من القيم والعادات والفنون والآداب التي يشترك فيها جميع افراد المجتمع.

إنّ تعرُّض شبابنا في مجتمعاتنا العربية إلى موجات ثقافية وفكرية مختلفة، لا يقل أثراً عن تعرضه للحروب والآفات والكوارث، وكلما كانت هذه الموجات و الحملات الفكرية أكثر قسوةً في تعاملها مع الفرد والمجتمع، كانت النتيجة المزيد من القيم المكسورة والثقافة المحطمة، التي تنعكس سلبا على شبابنا، فيبدأ الشعور بالاغتراب ينتابهم بجوانب حياتهم المختلفة ، وغالباً ما يستغرق علاجها و إصلاحها وقتا طويلا. لذلك تعد حالة الاغتراب من اهم الحالات التي يواجهها شبابنا في مجتمعاتنا، وتستحق الوقوف والبحث فيها.

فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأ المفكرون بطرح سؤال الاغتراب الإنساني، فكان محور اهتمام كبار المفكرين أمثال: روسو وماركس وأنجلز وماركوز وهيدجر وجان بول سارتر.

ويعرف "الاغتراب" في اللغة (غربة) والغربة هي النزوح عن الوطن وعن المجتمع والانفصال عن الآخرين الذي يكون انعكاساً لمشاعر نفسية كالخوف والقلق،أو الحنين.

اما اصطلاحا فقد طرحت الأدبيات العربية العديد من التعريفات لهذا المفهوم، فنجد الإغتراب في الموسوعة الفلسفية يعني"عدم التوافق بين الماهية والوجود، فالاغتراب نقص وتشويه،وانزياح عن الوضع الصحيح.
وايضا لهذا المفهوم أصول تاريخية في الفلسفة القديمة، إذ يعني الخروج عن الذات، أو فقدانها، وكما يتجلى هذا المفهوم عند العديد من الفلاسفة فنجده عند: أفلاطون يشير إلى فقد الإنسان وعيه بذاته، فصار مغتربا عنها.

وعند سقراط : الذي وعى بالصراع بين ذاته والبيئة المحيطة به ، وتمت محاكمته وادانته من قبل الحكومة بتهمة افساد شباب اثينا في ذلك الوقت، فقال " إن كنت لا أستطيع أن اقول الحق في مدينتي الخاصة أثينا، فكيف يسمحوا لي بقوله في مكان آخر"، فكان ثائراً على واقعه لعدم شعوره بالانتماء، ويطالب بالتغيير، فعاش مغتربا عن الطبيعة محاولا إبدالها بعملية الشك في كل الموجودات.

وكذلك عند مفكري حركة التنوير الفرنسيين مثل جوتيه وشيللر وفيخته وروسو ، فأساس العقد الاجتماعي عند روسو مثلا: هو الاغتراب، وقد أعرب عن هذا المفهوم العديد من الفلاسفة مثل هيجل وفيورباخ اللذين أعربا عنه بمصطلح "الفنومنولوجيا" كتعبير عن جميع أشكال الوعي الإنساني من سياسة وأخلاق، وتاريخ وفن وفلسفة.

فيما يذهب ماركس: الذي استمد مفهوم الاغتراب من الجذور الهيجلية ، وأعطاه معنى خاصاً وأعرب عنه بأنه حالة سلبية مطلوب نقضها، فربطها بتطورعلاقات الانتاج في المجتمع، وانعكاساتها على الطبقة العاملة، وشعورها بالاستلاب والغربة عما تنتج، حيث " ينتج الانسان عملا، ويشعر بالغربة عما ينتج ، ولكنه يصبح عبدا فيغترب عن ذاته ويفقدها ".

فالاغتراب، كما وسبق ينعكس على النفس الانسانية وسلوكها، وهو الحالة التي تتعرض فيها إرادة الإنسان أو عقله أو نفسه للاعتداء والتشويه، وبالتالي فإن أدوات الاغتراب هي مختلف أدوات القهر، وكل ما من شأنه أن يعيق نمو الشخصية الإنسانية وازدهارها وتفتحها، وهذا ما لا نريده لشبابنا ومجتمعاتنا.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية