«ساحة العين».. إصلاحيون لا إسقاطيون

مدار الساعة - ابراهيم الزعبي - بيروت -

أربعون يوماً مضت والحناجر تصدح بسلمية في ساحة العين دون كلل أو ملل ضد الغلاء والفساد ... اربعون يوماً من القلق والحرص الوطني جسدها شباب الساحة الغيور على الوطن وقيادته.. اربعون يوماً رغم البرد القارص والحناجر تصدح.. تعالوا الى كلمة سواء.. دافعهم حب الوطن فهم معاول بناء لا هدم.. لم تحركهم سفارات أو فضائيات انما شعورهم بالمسؤولية اتجاه أهلهم ووطنهم.

الحديث عن ساحة العين.. لا يمكن أن يمر دون الحديث عن ذاكرة المكان وما تمثله من رمزية في عيون شباب الحراك.. وهي تحاكي ايضا تاريخ وطن بأكمله وليس السلط فقط، فهناك كان مؤتمر السلط الوطني عام 1920، بحضور هربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني في فلسطين وعدد كبير من أهالي وشيوخ ووجهاء البلاد ، فكان ذلك المؤتمر أول خطوة فعلية وحقيقية لتشكيل إمارة شرق الأردن، وهو دليل على وجود حراك وطني سياسي على هذه الأرض يملك رؤية سياسية ويعرف ما يريد.

فكرة الساحات.. هي تقليد دولي، ففي قلب باريس أو لندن أو نيويورك وفي مختلف العواصم الدولية هناك فضاءات "هايد بارك" ارتبطت بحرية التعبير لدى لمواطنين، وهو ما يعزز الانتماء الوطني ويعكس هامش الحرية كما تعكس واقع المطالب التي يبني عليها صاحب القرار.

لقد قالها قائد البلاد خلال لقائه طلبة كلية الامير حسين للدراسات الدولية في الجامعة الاردنية : اننا لا بد ان نسير قدما بالاصلاح السياسي.. كاشفا أهمية نقد المسؤول والضغط عليه.. مع التركيز على ضرورة ممارسة الضغط من القاعدة لاحداث الاصلاح والتغيير المطلوب.. ولا أظن ما قام به شباب الساحة وباقي الحراكات في مختلف المحافظات الا تنفيذا للرؤى الملكية.

من يقود الحراكيين؟

في ظل احجام الاحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني عن المشاركة في المسيرات التي انطلقت بعد موجة ارتفاع الاسعار والضرائب، لا يتضح من زخم المسيرات والنشاطات التي تعج بها "ساحة العين" أي دور لقيادة مركزية أو هيئة تنظيمية عليا يمكن أن يعوّل عليها، إذا ما حان موعد للتفاوض على مطالب الحراكيين، وهو أمر يتفق معه المنظمون والمشاركون أنفسهم في الساحة، فهم عبارة عن (جسد بدون رأس) والقرارات تؤخذ بالتشاور والاجماع .

حراك البلقاء، وباقي الحراكات في المملكة، ليس في قاموسهم اختزال القضايا الوطنية الكبيرة في إطار ضيق من القضايا الشخصية والمطالب المناطقية ، لن تجدي معهم أي محاولة لتجزئة الحراك على هذا الأساس من خلال معالجات شكلية آنية مباشرة، جميعها ذات طابع مادي أو استرضاء بالمناصب على أسس جهوية وعشائرية . في سعي لاسكات الأصوات ومحاولة احتواء الحراك أو تفجيره من داخله.

الحكومة بالحكمة، باتت على يقين بان شباب الحراك في المحافظات لم يعد للزعامات التقليدية أي تأثير في قناعاتهم السياسية - حتى ممثلو الشعب من النواب باتت الهوة كبيرة بينهم وبين قواعدهم الشعبية - كما ان الحكومة تدرك ايضاً ان الحلول الأمنية غير مجدية في مثل هذه الحالات، بل ستزيد غضب الشارع وربما ستدفع إلى عنف مضاد، مما يزعزع استقرار البلد، وخاصة أن الأخطار تحيق بالوطن من كل جانب، وهو أمر يسجل للحكومة حيث لم نشهد تواجد رجل أمن واحد في الساحة طيلة هذه الفترة بهدف التضييق على الحراكيين... فالحل يجب أن يكون سياسياً يستند إلى الحق والحكمة.

إلى أين يتجه الحراك؟

الشعارات المرفوعة في المسيرات متنوعة وكثيرة وربما بعضها يثير هواجس بعض الاردنيين، لاسيما وأن الوطن (حديقة في وسط حريقة)، ولكن الحراكيين مؤمنون تماما بالثوابت الوطنية والسلم الاجتماعي والحفاظ على مقدرات الوطن وما صرختهم الا تحذيرا من سقوط الهيكل فوق رؤوس الجميع لا قدر الله.

بعد أربعين يوماً من الوقوف في الساحة.. سواء فشل الحراك أو نجح... فإنه شكل حالة جديدة من التفاعل الايجابي بين النظام السياسي والشعب، ومشروعيته مستمدة من سلميته.. وهو حق كفله الدستور ... سواء اتفقت مع الحراكين أو خالفتهم... فعلى مدار اربعين يوماً من الحراك لم تسجل حالة واحدة من الاخلال بالامن ، والجميع متمع بروح المسؤولية ، وهم مدركون تماما للاخطار الاستراتيجية التي تحيق بالوطن، وهذه حالة من الوعي الديمقراطي المتقدم يجب على النظام السياسي تشجيعها والبناء عليها ،والتحاور معها . اذا أردنا شراكة حقيقية في بناء الوطن، وباعتقادي أن ما يطالب به الحراكيون يجمع عليه أغلبية الاردنيين حتى من هم في مواقع السلطة.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية