إلى أسواق روسيا العظمى ..

الكاتب : ابراهيم عبدالمجيد القيسي

انت شيوعي، اشتراكي، شرقي .. الخ الأوصاف التي كانت تعد شتائم آنذاك، واتهاما بعدم الولاء لمنظومات من الأفكار التي كانوا يعتقدون بأنها وطنية، لتكشف لنا الأيام بأنها مجرد مصطلحات تنبثق عن خطاب أمريكي موجّه لمجتمعاتنا، التي كانت تقرأ الواقع بناء على قطبية سياسية – اقتصادية – عسكرية تحكم العالم، ثم جاءت ظروف أخرى، استغلها معسكر ضد آخر، في محاولة لإنهاء القطبية الثنائية، لتصبح فيما بعد سياسة القطب الواحد، الذي لم تقبل روسيا ولا دول العالم الحرة عنه، فعادت بقوة الى المشهد السياسي، وبنت استراتيجياتها الحديثة لرعاية مصالحها، وضمان تواجدها حول العالم..لتحوز مكانها الأكثر أمنا وتأثيرا في الصراع الذي لم يتوقف فعلا..

هذه مقدمة فائضة عن حاجة القارىء لكنها ضرورية، مع التأكيد بأنني لا أريد الكتابة عن أمريكا، ولا عن الصراع بين الأقطاب، إنما أريد الكتابة عن الخضراوات؛ صدقوني، وأعزز البحث عن إيجاد أسواق لمنتجاتنا الزراعية، بعد أن دفعنا كل الضرائب والفواتير في مدارات وجولات الصراع الذي يجري بلا رغبة منا ولا حسابات خاصة، ونبلي فيه بلاء تاريخيا حسنا، يعبر عن مدى رفعة أخلاقنا والتزامنا بحقوق الانسان والقانون الدولي، الذي أصبح بدوره عاجزا أمام جنون بعض الرؤساء المجانين الذين يحكمون العالم أو جزءا كبير منه، كما يحدث في أمريكا اليوم.

في الأيام الماضية كثر الحديث عن ضرورة قيام الأردن ببناء تحالفات أكثر متانة مع شركاء جدد، ولا يمكننا أن نتحدث عن بناء تحالفات جديدة مع روسيا، أو عن تدشين علاقات سياسية ودبلوماسية على أعلى المستويات، فهي موجودة أصلا، وقوية، ويحظى الأردن وجلالة الملك عبداللة الثاني باحترام خاص من قبل دولة روسيا، وعلى الرغم من انخراط روسيا واشتباكها بقوة مع ملفات ساخنة في المنطقة، إلا أنها دولة تحترم نفسها ومصالحها، وتقدم أداء سياسيا مدروسا، لا يمكنك أن تتجاهله وإن اختلفت جزئيا معه، كما يحدث مثلا في الملف السوري، لكننا حين نحصي فوائد هذا التدخل الروسي القوي بالملف السوري، سنكتفي بأن أهم النتائج التي حققها الموقف الروسي هو عدم تقسيم سوريا، وهي نتيجة قد لا يكون وقعها الكبير بالنسبة لأصحاب وجهة النظر المحدودة أو المتضررين من الصراع في سوريا، إلا أنها النتيجة الأهم بالنسبة لكل دول المنطقة وللعالم، فتعميم الفوضى والاقتتال وتشرذم الدولة السورية الى عدة دويلات أمر لا يخدم العرب ولا الأردن وسائر دول الجوار السوري، وهي نتيجة تكفي الواقعيين والملتزمين بقيم العروبة..

قلنا لن نتحدث سياسة؛ لكننا سنتحدث عن الاقتصاد، وعن ضرورة إيجاد اتفاقيات تجارية أقوى مع روسيا القوية، فعلى صعيد السياحة يبدو أن الأمر مقبول، وعلى صعيد الصادرات الأردنية للسوق الروسية نعاني مما تمخضت عنه الحروب الدائرة حولنا من إغلاقات للحدود، أصبحت معها كلفة التصدير باهضة، حيث لا حدود برية تقريبا تنقل بضائعنا الى روسيا، وطريق البحر التفافية طويلة، والنقل الجوي باهض التكاليف، لذلك يجب البحث عن مسافة أقرب يننا وبين الأسواق الروسية، ونحن نتحدث هنا عن منتجاتنا أو صادراتنا من المنتجات النباتية والحيوانية، حيث تعمل الجغرافيا والاتفاقيات الدولية والأحداث الجيوسياسية على اتساع المسافة بيننا وبين السوق المذكورة مع كل أسف.

يجب التفكير باتفاقيات أخرى مع الجانب الروسي، يتم من خلالها تسويق منتجاتنا أو استيراد ما يلزمنا من وإلى روسيا بتكاليف أقل..

ماذا عن النقل العسكري؟ أعني لماذا لا تقوم اللجنة الأردنية الروسية بدراسة ابرام اتفاقيات تعاون لتزويد الأسواق العسكرية بسلع ذات امتيازات جمركية معينة؟ لماذا لا نضمن تدفق منتجاتنا الزراعية الى السوق العسكرية في روسيا والعكس؟ هذه اتفاقيات بين أطراف قد لا تتطلب تطبيق قوانين واتفاقيات التجارة العالمية، أو ربما تكون أكثر تحررا من بعض بنود هذه الاتفاقيات، وتنسجم مع توجهات الدول بالخصخصة وحرية التجارة ومرور السلع وتدفقها عبر الحدود..

نريد أن نتقدم خطوة إلى الأمام على وقع تحقيق مصالحنا، وإيجاد حلول لأزمات تضرب في أعماق استقرارنا، ولا علاقة فعلية تربطنا فيها سوى موقعنا الجغرافي والتزامنا الأخلاقي وتمسكنا بالاتفاقيات والقوانين الدولية، فنحن بذلك لا نطالب بجنون يشبه جنون ترمب العنصري وغيره، إنما نبحث عن مسافات أقرب لتحقيق مصالحنا دون أن ننسلخ عن سياساتنا ومبادئنا.

دعونا ندشن استراتيجيات مبنية على تحقيق المصالح الأردنية، دون أن ننتظر أن يثوب «المجانين» الى عقولهم ويصوبوا كل هذه الأخطاء أويعوضوا الضحاي عن هذه الجرائم التي ارتكبوها بحقهم، فالزمن لن ينتظرنا ولا الأزمات، ومصالحنا العليا أهم من جنونهم وعبثهم.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية