حين كان في المفرق الأردنية جامع وثلاث كنائس وأحكام عرفية

محمد الارناؤوط

يعيد الكتاب الأخير لعصام الموسى أستاذ الاتصال في عدد من الجامعات الأردنية والعربية (1976-2016) وابن المؤرخ المعروف سليمان الموسى، الاعتبار لمدينة أردنية كانت صلة الوصل بين أطراف المنطقة، ولذلك سُمّيت بالمفرق لأنها نشأت في موقع تفترق فيه الطرق بين الشمال (سورية) والجنوب (الحجاز) وبين الشرق (العراق) والغرب (فلسطين).

ومن هنا فقد كانت المفرق محطة معروفة من محطات طريق الحج الشامي، وعندما بنيت سكة الحجاز خلال 1902-1908 أصبحت المفرق محطة للقطار ونواة لبلدة جديدة، وبقيت المفرق مرتبطة بدمشق خلال عهد الحكومة العربية 1918-1920 إلى أن اتفقت فرنسا وبريطانيا بعد بسط سيطرتهما على ترسيم جديد للحدود، غدت معه المفرق أول محطة للقطار على خط دمشق - عمان وأول مدينة أردنية على الطريق السريع الذي يربط دمشق بعمان.

ولكن الكتاب الجديد لعصام الموسى الذي يستعيد فيه ذكرياته عن سنوات 1944-1957 يصدر الآن (وزارة الثقافة، عمّان 2017) وكأنه يتحدث عن مدينة أخرى. فقد ترك الموسى المدينة عندما كان فيها جامع وثلاث كنائس وأحكام عرفية، بينما تبدو الآن المدينة كأنها امتداد ديمغرافي لسورية بعد أن أصبح عدد السوريين الآن ضعف عدد الأردنيين في المدينة (95 ألف أردني و180 ألف سوري حسب جريدة "الغد" 1/11/2017)، وتضاعف عدد الكنائس تقريبا، بينما تضاعف عدد المساجد أكثر من مئة مرة ولم يعد هناك أحكام عرفية بالطبع.

ولد عصام الموسى عام 1944 في المفرق لأب جاء من الرفيد في شمال غرب الأردن من أسرة نزحت من عكا في مطلع القرن التاسع عشر، وذلك للعمل في شركة نفط العراق بعد أن تخرج من المدرسة الثانوية وأتقن الانكليزية. وكانت المفرق، كما وعاها الموسى، تمتد حوالي كيلو متر مربع فقط ما بين سكة الحديد من الغرب وطريق إربد- عمان في الشرق، ولكن أخذت تنمو وتنفتح على العالم حينئذ بفضل أمرين. فقد بنيت إلى الشمال منها مرافق المحطة الأخيرة (H5) لخط أنابيب الموصل- حيفا الذي بنته شركة نفط العراق في 1935، بينما بُنيت إلى الشرق منها مرافق القاعدة العسكرية البريطانية التي كانت تشتمل على أكبر مطار، مما فتح فرص عمل كثيرة للأردنيين الذين اكتشفوا في هذه البلدة الصغيرة العالم من خلال وسائل التواصل (الراديو والصحف والسينما إلخ) المتوفرة سواء في منشآت شركة نفط العراق أو في القاعدة العسكرية، التي انتقلت بعدها إلى البلدة نفسها.

في البلدة نفسها كانت البيوت كلها من الطين بينما كانت محطة القطار ومخفر الدرك من الحجر، وفي أوائل الخمسينات ظهرت في البلدة المباني الأولى من الحجر (مبنى البلدية والجامع الأول في جوارها وكنيسة اللاتين وكنيسة الكاثوليك والمدرسة الإعدادية الحكومية).

بقيت شوارع البلدة ترابية بينما كان طريق المفرق – إربد يسير عليه باص واحد يقوده غريغوري ابن خوري كنيسة الروم الأرثوذكس الأب أيوب، ولكن في أوائل الخمسينات تم تعبيد الشارع الرئيس (شارع البلدية والسوق) وفرشه بالإسفلت الذي أصبحت رؤيته متعة جديدة للأطفال. في وسط البلدة "تحدّث" السوق الذي أصبح يضم محلين مهمين: المصوّر الذي حمل معه هذا الاختراع الجديد ليعلق الصور الجديدة على واجهة المحل، واللحام أبو ياسين القادم من دمشق، الذي كان محله يتميز بوجود راديو ضخم يشحن بالكهرباء، ولذلك كان والد عصام الموسى يزوره ليسمع الأخبار هناك.

بعد سنوات الطفولة الأولى وصلت في مطلع الخمسينات المياه والكهرباء، ومع هذه "المعجزة" جاء الاختراع الجديد (الراديو) الذي حمل العالم إلى بيت الموسى بواسطة الأخبار التي كان ينقلها من كل مكان. في ذلك الوقت كانت المفرق مفتوحة على الغرب (فلسطين) بحكم امتداد العائلة والشمال (سورية) بحكم سكة الحديد التي كانت محطتها قد أصبحت في قلب البلدة وأصبح القطار يحمل أفراد الأسرة للتمتع بالحدث الجديد: معرض دمشق الدولي. ولكن بعد حرب 1948 نشأت الحدود التي فصلت بين الأسر، ولذلك شكل هروب خاله من الاحتلال الإسرائيلي حدثا وعملا وطنيا لأن الخال كان يطمح لمتابعة دراسته. ومع الخال القادم من فلسطين جاءت لعبة الشطرنج وأفكار كانط ونيتشه التي سمع بها لأول مرة عصام الموسى.

في 1955، حين تخطى عصام الموسى العاشرة، كانت الحركة الوطنية في الأردن قد تصاعدت بفعل الأحداث الجارية في المنطقة والعالم (الحرب الباردة والنقطة الرابعة وحلف بغداد)، ولذلك انغمس الموسى في المظاهرات مع غيره من طلبة المدارس. كانت المظاهرات تبدأ من مدرسة الذكور الحكومية وتتجه إلى مدرسة الطالبات ليشاركن أيضا ثم تأتي إلى المدرسة التي كان يدرس فيها الموسى (مدرسة اللاتين) ليخرج الطلبة معهم ويسير الجميع وهم يرددون "يسقط الاستعمار"، وحين أطلق الرئيس أيزنهاور "نظرية الفراغ" أصبح المتظاهرون يهتفون "الفراغ في رأس أيزنهاور".

في 1956 جرت ثلاثة أحداث مهمة في حياة الطفل. في ذلك العام وتحت ضغط الحركة الوطنية تم إغلاق القاعدة العسكرية البريطانية نتيجة لإلغاء المعاهدة بين الأردن وبريطانيا، وجاء الرئيس السوري شكري القوتلي في زيارة إلى الأردن ليعبّر عن الدعم العربي فخرج طلاب المدارس في المفرق لاستقباله خلال مروره بالسيارة في الشارع الرئيسي في طريقه إلى عمان.

ولكن ذلك العام حمل أيضا مشاكل عائلية أيضا. فنتيجة لإغلاق القاعدة العسكرية البريطانية انتهى عمل الوالد. كان الوالد قد أصبح يشتهر في الأردن وخارجه بعد أن توجه للكتابة والنشر في الجرائد الأردنية والعربية (مجلة "الأديب" اللبنانية ومجلة "الرائد العربي" السورية إلخ). في تلك السنوات بدأ أيضا ينشغل في التاريخ ويبدأ في أول كتاب له "الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى". ولكن مع إعلان الأحكام العرفية تسببت وشاية كيدية من "مسؤول فاسد" في اعتقال الوالد وإرساله أولا إلى معتقل الزرقاء ثم إلى المعتقل الصحراوي المعروف بقسوته في الجفر.

كان لهذا الحدث دور كبير في وعي الطفل لما يحدث من حوله. فقد عرف أحد معارفه بأمر القبض عليه وعرض تهريبه إلى دمشق بسيارة للجيش السوري الذي كانت قواته ترابط آنذاك في جوار المفرق، ولكن الوالد رفض ذلك لإيمانه ببراءته. وفعلا في منتصف الليل جاءت الشرطة لاعتقاله حين كان الأولاد يغطون في نوم عميق. وكما يروي عصام الموسى في ذكرياته فقد تحول اعتقال الوالد إلى قضية عامة حيث قام خال والده الخوري يوسف الناصر بصياغة عريضة إلى المسؤولين في عمان للمطالبة بإطلاق سراحه وأوكل إلى ابنه عصام جمع التواقيع من سكان المفرق، حيث لم يتخلف أحد عن التوقيع عليها. ولم يكتف الخال بذلك بل ذهب إلى عمان وحمل نسخة من كتاب الوالد (الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى) ليقدمه إلى مرافق الملك الحسين ويقول له "كيف تعتقلون من يكتب عن الهاشميين؟".

ويبدو أن هذا الحراك أثمر ، إذ أطلق سراح الوالد الذي خرج من سجنه بلحية ولما وصل إلى البيت طلب من ابنه عصام أن يصحبه إلى المصور ليوثق هذه اللحظة التاريخية. ويبدو أن معاناة الوالد، وعدم وجود ما يربطه بالمفرق بعد أن ترك العمل في القاعدة العسكرية البريطانية، حملته إلى التوجّه إلى عمّان حيث برز لاحقا باعتباره مؤرخ الأردن قبل أن تفتتح الجامعة الأردنية (1962) ويتخرج أول فوج من قسم التاريخ في 1966.

وقد انعكس هذا على صاحب الذكريات، إذ إن عصام الموسى كان في عداد الفوج الأول الذي انضم إلى الجامعة الأردنية، ولذلك كُتب عليه أن يعيش مراهقته في الوسط الجامعي الجديد على عمّان بعد أن عاش طفولته ووثقها في هذا الكتاب الذي يستعيد فيه صورة مبكرة عن المفرق في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، والتي لم يعد فيها ما يذكر وسط هذا التحول الهائل الذي تتابع على المدينة، وخاصة بعد 2011 وتحوّلها إلى مدينة بغالبية سورية.

العربي الجديد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية