كذبة اسمها: الإسلام المعتدل!

حلمي الاسمر

-1-
قرأت يوما في أحد المواقع «الرسمية» العربية، أن (الإسلام المعتدل) وصفٌ كاشف لحقيقة الإسلام من جهة، «وهو تركيب معروف في لغة العرب»، ووصف مُمَيِّز له عن التشدد من جهة أخرى، وأورد القائل الآية الكريمة: «لا تغلوا في دينكم غير الحق»، للتدليل على صحة زعمه، وادعى أن «الإسلام المعتدل» مثل أمة الوسط الواردة في الآية الكريمة: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً»، وفي النهاية يخلص القائل إلى أنه إذا كان المسلم وسطاً معتدلاً فالمنهج الذي سَلَكَهُ في الدين كذلك!

مقدمات لا تفضي إلى نتائج، ولي عنق للمصطلح الإسلامي، فأنا لا أدري ما العلاقة بين الإسلام المعتدل والأمة الوسط، فالاصطلاحان من عائلتين مختلفيتين، ولا رابط بينهما، الأول يصنف الإسلام، والثاني يصف الأمة، فضلا عن أن وسطية الأمة مفسرة في النصوص الإسلامية، ولها معنى لا تمت بصلة للسياق الواردة فيه!

-2-

من المهم هنا قراءة الآية كلها، لا اجتزاء جزء منها، فهي وحدة واحدة، يقول رب العزة: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ً ) البقرة 143 . والوسط تحمل معاني: العدالة والخيرية والأفضلية،وذلك أن الزيادة على المطلوب إفراط، والنقص عنه تفريط ،وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة، فالخيرية هي الوسط بين طرفي الأمر أي التوسط بينهما.تفسير المنار : 2 / 4 .

الأمة وسطية في تصورها واعتقادها بين الروح والمادة ، وبين الواقعية والمثالية، والثوابت والمتغيرات، والفردية والجماعية، وبين الترخص والتشدد، وهي وسط في الزمان تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها . ظلال القرآن : 1 / 131.

وإنما اختار القرآن لفظ الوسط دون الخيرية – كما قال الإمام محمد عبده – لحكمة دقيقة : وهو التمهيد للتعليل الآتي (لتكونوا شهداء على الناس ) فإن الشاهد على الشيء لا بد أن يكون عارفا ًبه، ومن كان متوسطا ًبين شيئين فإنه يرى أحدهما من جانب وثانيهما من الجانب الآخر ، وأما من كان في أحد الطرفين فلا يعرف حقيقة حال الطرف الآخر ولا حال الوسط أيضا . [ تفسير المنار 2 / 4 ] .

-3-

لا يوجد في الأصل إلا إسلام واحد، معروف ومتعارف عليه، إنما يختلف من يعتنقه، أما هو فلا يصنف، ولا يقسم، ولا يمزق، إن إضفاء أي تصنيفات على الإسلام، يستهدف ضمن ما يستهدفه، تشكيك الناس في دينهم، وخلط الأوراق، والترويج لأفكار معينة تختبىء «في بطن الشاعر»، إلى هذا إن تقسيم ووصف وتمزيق الإسلام إلى إسلام معتدل ومتطرف، وعلماني، ومتشدد، ومتساهل، عملية ممنهجة تم اختراعها في مختبرات البحث، التابعة لمؤسسات ومنظمات الاستخبارات العالمية، وهي مصطلحات جديدة ودخيلة على الإسلام، ولعل أخطرها مصطلح «الإسلام السياسي» وقيل أن أول من استخدم هذا المصطلح هو هتلر، حين التقى الشيخ أمين الحسيني مفتي فلسطين آنذاك، إذ قال له : إنني لا أخشى من اليهود ولا من الشيوعية، بل إنني أخشى الإسلام السياسي، وقيل أن أول من استخدم مصطلح «الإسلام السياسي» هو الشيخ محمد رشيد رضا . لكنه استخدمه في التعبير عن الحكومات الإسلامية التي سماها « الإسلام السياسي « ويعني الذين يسوسون الأمة في إطار الأمة الإسلامية . لكن مصطلح الإسلام السياسي يُستخدم الآن ، ومنذ العقود الثلاثة الماضية وصعود المد الإسلامي والظاهرة الإسلامية، بمعنى: الحركات الإسلامية التي تشتغل بالسياسة، وفي هذا المصطلح « الإسلام السياسي « شبهة اختزال الإسلام في السياسة؛ لأنه ليس هناك إسلام من دون سياسة، كما يقول الدكتور محمد عمارة، في كتابه «الإسلام السياسي والتعددية السياسية من منظور إسلامي»!

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية