إفطار الجمعة الصباحي في اللويبدة.. مبادرة مجتمعية ناجحة

الكاتب : أسعد العزوني

عندما تجد الولاء والإنتماء الحقيقيين، فإنك حتما ستجد الإبداع بكافة أشكاله، فالإبداع ليس رسما أو كتابة أو خطابة أو ما إلى ذلك من الأمور الملموسة، بل هناك المبادرات الخيرة التي تصب في صالح المجتمع بكامله ،وينجم عنها وعيا مختلفا ،ونلمس من ورائها تغيرا إيجابيا في طريقة التفكير والحياة والتعامل مع القضايا المجتمعية مثار الخلاف ومحط الإختلاف.

ما اتحدث عنه هو أمر مشرّف يجب أن يسند لصاحبه ،وهو مبادرة مجتمعية بإمتياز أطلقها الفنان التشكيلي المبدع سهيل بقاعين، الحاصل على جائزة التميز من لدن جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، تقديرا لجهوده مع ذوي الإعاقات البصرية ونجاحه في نقلهم من الظلمات إلى النور ،وحمل رسوماتهم معه إلى المعارض الدولية وآخرها قبل أيام في هافانا بكوبا.

هذه المبادرة ليست للحصول على التمويل الخارجي الشائع في المنطقة هذه الأيام، ويتم من خلاله تقديم تقارير مرخصة قانونيا تحوي معلومات سرية عن البلد، وهي بمثابة تجسس مشروع لأن أصحابه حاصلون على تراخيص رسمية ،وباتوا تحت الحماية الدولية او هكذا يخيل لهم.

هذه المبادرة التي انضممت إليها مؤخرا تضم أولا نخبة مميزة من الأردنيين من نفس اللون وهو الإنتماء للأردن والولاء له ،وهم رجال دولة من الطراز الأول،ولا أقول من الصف الأول لأن هناك فرقا شاسعا بين الجانبين ،وما أتحدث عنهم مثقفون واعون ،وبمجملهم يعدون بيوت خبرة،وليس خبراء فقط.

فمنهم من يعمل في الحكومة أمثال منسق ملف حقوق الإنسان في رئاسة الوزراء السيد باسل الطروانة ،ومنهم رجال الأعمال والإقتصاديين وعدد من المتقاعدين الذين تركوا بصمات في قطاعات العمل الرسمي في الأردن.

يمتاز لقار إفطار الجمعة الصباحي في اللويبدة بالطرح العميق ومعالجة القضايا المجتمعية وحتى الحساسة منها ،وتجد عندهم الحل السليم ،وكم هو ممتع -وأنت تسمع هذه الحوارات التي تدل على عمق الرؤية لدى هؤلاء،وخاصة عندما يغوصون في الحديث عن رجالات الدولة السابقين وأخص منهم من لم يلوث نفسه بالطمع أو ما يطلق عليه هذه الأيام الفساد الذي أصبح متلازمة للعديد من المسؤولين –أن تكتشف رجالات مميزة لكنها لم تنصف لسبب او لآخر.

تكتشف من ثنايا حواراتهم أن هناك رجال دولة كانوا يسيّرون الأمور في الأردن بمهارة عالية ،وأصبحنا نفتقدهم هذه الأيام ،إلا من رحم ربي،ولو كانوا موجودين بيننا لما وصلنا إلى ما نحن عليه، وربما أننا أصبنا بفايروس عدم التجديد للجين المبدع والمسؤول الذي يستحق لقب رجل الدولة.

تشكل هذه المبادرة إضافة ثقافية للمجتمع الأردني ،لتنوع أفكارها وإشاعة المحبة فيها ،وفتحها للآفاق لأن الحديث ذو شجون ،وهي تضم المسيحي والمسلم ،وينجم عن اللقاء التقارب والتفاهمات والتوافق وتغذي صلة الوصل لأنها تخلق علاقات حميمية بين الجميع ،وهي بحق لقاءات حضارية تجاوزت المجاملات والمألوف وإرتقت للحميمية ،وتتسم بالإيثار الذي بتنا نفتقده هذه الأيام.

هذه المبادرة لا يلتقي أصحابها في فنادق الخمس نجوم ولا يأتون بكامل لياقتهم السياسية أو الإجتماعية أو الفخفة والنفخة الكاذبة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى ،بل يجتمعون على الرصيف في منطقة اللويبدة ،وبلباس بسيط ،ولا يحدثون ضجة في المكان ولا يؤذون الطريق، ويتناولون طعام الإفطار الذي يحضره المبدع صاحب المبادرة الفنان سهيل البقاعين ،وتتطورت الأمور مؤخرا لتدخل المشاركة في الموضوع دليلا على المحبة والإيثار.

بالأمس إجتمعنا بعد إنقطاع جمعتين بسبب سفر الفنان البقاعين إلى كوبا ،وكم كان الإحتفاء به حميميا من قبل الجميع ،وقبيل صلاة الجمعة لمح الأستاذ باسل الطراونة رجلا يعرفه جيدا فنادى عليه ليدعوه وقال :يا أبو راندي تفضل لتناول طعام الإفطار والتين "الموازي"،ولكن أبو راندي إعتذر بأدب، وبعد ذلك سأله عن سر اعتذاره فرد عليه، إنه يحرس بسطة اليانصيب التي يملكها أبو محمد .
كان أبو راندي من بيت العكروش وهو عربي مسيحي بطبيعة الحال ،وتبين أن أبا محمد عربي مسلم مصري مضى على إقامته في الأردن ثلاثون عاما ،ولغز القصة لا يكمن في روايتها بل في شخوصها وما ترمي إليه ،إذ أن أبو راندي المسيحي رفض خيانة أبو محمد المصري وإلتزم بعهده له ان يحرس بسطته ريثما يعود من الصلاة في مسجد الشريعة القريب.

هذه القصة التي نسجت حروفها على أرض الواقع وفي يوم الجمعة المبارك ،تدل على طبيعة المجتمع الأردني وعلى حقيقته بدون مؤثرات مضافة عن قصد ولهداف محددة ،فنحن في الأردن وفلسطين نشكل إمتدادا إنسانيا تعدديا واحدا ولم نكن نفرق بين مسلم او مسيحي ،حتى ان العربي اليهودي في بلادنا كان مقدرا وله حقوقه،وكان إحترام الضيف فرض على الجميع ،وله صدر الدار كما يقولون في حال كان مؤدبا.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية