التفاف روسيا على مسار جنيف

مدار الساعة - كتب .. د هايل ودعان الدعجة

يبدو ان الحيرة هي الوصف الذي يمكن ان توصف به ممارسات روسيا في سورية في ظل الهامش او المساحة الشاسعة التي منحتها لنفسها للتحرك في رحلة بحثها عن استعادة دورها ومكانتها على الساحة الدولية ، بعد المحاولات الاميركية والغربية الرامية الى محاصرتها وتطويقها في فنائها وفضائها (السوفياتي) عبر ضم دولا وجمهوريات شرقية وسوفياتية سابقة الى عضوية الاتحاد الأوروبي وتوسع حلف الناتو شرقا ، الى جانب العقوبات الأميركية والغربية المفروضة عليها على خلفية الازمة الاوكرانية وضمها لشبه جزيرة القرم . حيث جرى اطلاق يدها في الملف السوري بطريقة جعلتها تقلب موازين القوى لصالح النظام السوري ، رغم ان الجهود الغربية كانت منصبة على دعم قوى المعارضة المعتدلة .

وبدا ان روسيا أكثر الأطراف الدولية والإقليمية سيطرة وتحكما بهذا الملف السوري وتدويره في الاتجاهات التي تخدم مصالحها ، وما على الأطراف الأخرى سوى الاخذ بطروحاتها ومبادراتها التي تترجم سياستها ونفوذها في التعاطي مع هذا الملف الحساس ، حتى وان كانت تستهدف نسف الجهود الأممية ممثلة بمفاوضات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة عبر سبع جولات قادها مبعوثها الى سورية ستيفان دي ميستورا ، المجرد من أي أدوات دولية فاعلة من شأنها ترجمة جهوده المتواضعة اصلا الى نتائج ملموسة على الأرض . خاصة بعد ان دانت السيطرة شبه الكاملة على المشهد السوري لروسيا ، التي عمدت الى تهميش وصرف الأنظار عن مفاوضات جنيف ولو الى حين ، عندما طرحت مبادرة استانا التي وان بدت اجنداتها عسكرية ممثلة بمحاولة تثبيت وقف اطلاق النار وفرض مناطق خفض تصعيد في سورية ، الا انها انطوت في الوقت نفسه على أوراق سياسية مترافقة مع الوقائع العسكرية والميدانية الجديدة التي فرضتها على الارض ، بصورة فتحت المجال امام الحديث عن حلول سياسية تتوافق ومصالحها بعد ان عززت من فرصها في رسم مستقبل سورية في ظل الأوراق التفاوضية المتعددة التي باتت تمتلكها ، بعيدا عن مقررات جنيف (وقرار مجلس الامن 2254) التي ركزت على مرحلة الانتقال السياسي وتشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة تضم كافة مكونات المجتمع السوري . الى ان وصلت الى المحطة التالية في تعاطيها مع الازمة السورية بعد ان باتت تمسك بكافة خيوط اللعبة في سورية، بطريقة جعلتها تطرح مبادرتها الثانية ذات الابعاد السياسية ممثلة بدعوة كافة القوى المجتمعية السورية من حكومة ومعارضة وأحزاب وجماعات ومنظمات سياسية واجتماعية وقوى عرقية ودينية الى المشاركة بمؤتمر الحوار الوطني السوري المزمع عقده في منتجع سوتشي على البحر الأسود في الثامن عشر من الشهر الجاري ، بهدف توسيع المشاركة السورية في العملية السياسية وتحديد شكل النظام السياسي وصياغة دستور جديد واجراء إصلاحات سياسية في سورية . مستغلة عدم اهتمام الولايات المتحدة بالمسارات والحلول السياسية ، وانشغالها بتحقيق مصالحها وتعزيز مناطق نفوذها واحكام سيطرتها على المناطق الحدودية السورية العراقية لافشال المشروع البري الإيراني الاستراتيجي ، والوصول الى حقول النفط الغنية في دير الزور ، ودعم الجماعات الكردية وقوات سورية الديمقراطية ، لاقامة كيان كردي في شمال سورية . حتى انها طلبت من المعارضة ابداء مرونة وموضوعية بقدر اوسع للانخراط في العملية السياسية ، وانها لم تعد تعتبر رحيل الرئيس السوري بشار الأسد شرطا لاطلاق العملية السياسية . 

لقد رفضت قوى المعارضة المعتدلة المشاركة في مؤتمر سوتشي ، الذي اعتبرته التفافا على مسار جنيف السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة ، وبانه يندرج في اطار محاولة روسيا الانفراد بالحل السياسي خارج اطار هذا المسار ، الذي يجسد الإرادة الدولية في موضوع الانتقال السياسي . إضافة الى اعتبارها المؤتمر بمثابة الفرصة التي تسعى روسيا لاستغلالها لاعادة تأهيل النظام السوري وانتاجه في مقابل تغيير تركيبة المعارضة بتضمينها عناصر محسوبة على النظام ، وطرح العديد من المنصات المحسوبة على روسيا ، لاختراق المعارضة واضعافها والسيطرة عليها في مقابل تقوية ورقة النظام السوري في التفاوض على مستقبل سورية بعد التطورات التي طرأت على موازين القوى لصالح قوات النظام نتيجة تدخل روسيا، التي هددت المعارضة بانها ستكون خارج العملية السياسية ان لم تشارك في المؤتمر . الامر الذي يبرر التساؤل عن مغزى طرح مسار تفاوضي جديد في ظل وجود مسار دولي قائم ومعتمد ممثلا بمسار جنيف .


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية