جورج الفار يواصل تأملاته الفلسفية بعد أن خرج على القطيع

مدار الساعة - لا شك أن تأملات الدكتور جورج الفار الفلسفية لها قيمة خاصة لأنها تعبِّر عن تجربة خاصة، فقد شهد المفكر تحولات راديكالية على مستوى الفكر، إذ انتقل من عالم الكهنوت وفكره إلى رحاب الجامعة والفلسفة، ويأتي كتابه العاشر" خرجت على القطيع"، الصادر مؤخراً عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، استكمالا ً لخطّه وموضوعاته، وأفكاره في كتبه السابقة، فإذا كان السؤال هو المدخل الأول للفلسفة، حسب أفلاطون، فإن جورج الفار يُكثر من الأسئلة والتساؤلات في كتابه، وهذا ينبئنا بأنه إزاء مشروع فلسفي، ليست تلك التساؤلات سوى مقدمة له.

الكتاب جاء في (160) صفحة من القطع الكبير، وقُسم إلى قسمين، ضمَّ القسمُ الأول رؤاه الفلسفية في ثمانية وأربعين مقالة أو خاطرة فلسفية، تمحورت حول أسئلة الذات، وحملت عناوين متعددة، منها: جيني الأناني، سِباحتي عكس التيار، وعيي المُغاير، الكون وذكائي، أنا خلطة علاقات !، امتدادي الأفقي، أودُّ أن أكون شفافاً لطيفاً !، إدراك التوازن هو مطلبي الصعب، الإنسان فيّ، أنا ومِرآتي، غادرتُ القطيع مُبكراً، صنعت حُريتي بنفسـي، تسكن الثقافة في روحي، أَأُصارع من أجل أن أبقى؟، ذكائي حيواني أم إنساني؟، أنا أقاوم.. أنا موجود !، أريد أن أكون ضميراً إنسانيّاً، قصتي مع الوعي، فلسطين قضـيتي، لمَن نكتب ولماذا؟ وغيرها من العنونات.

أما القسم الثاني الذي ضم خواطره على صفحات التواصل الاجتماعي، وجاءت تحت عنوان: فضاءات إلكترونية، فقد توزعت بين أربعة موضوعات،هي: إبداعات، وفكر وفلسفة ، وفكر سـياسـي، ونقد مُجتمعي.

وقد جاء في مقدمة الكتاب بقلم الكاتب نفسه، إن الخواطر في الكتاب تركز على الذات؛ في محاولتها لإعادة اكتشاف ذاتها، وعلى العالم لاكتشافه بمقاربته الذاتية، فقد سألت نفسها عدة أسئلة لإيضاحها لذاتها:

- لماذا الحفر في الذات وفي التكوين والنشأة؟ هل هو حنين غير واعٍ للطفولة؟ أم أنه محاولة للدخول إلى عمق الكائن الإنساني؟ وهل تمثل هذه العودة إلى دفاتر الماضـي القريب أو البعيد، استجابةً لشعور دفين بإفلاس الحاضـر؟

- ولماذا الكتابة عن «الأنا» «الآن وهنا»؟ أهي محاولة غير واعية لتبريرها أو لإعادة إنتاجها بطريقة جديدة ولتثبيت مركزيتها؟

- هل هي محاولة لاكتشاف «الأنا» الدياليكتيكية التي تواجه العالم الموضوعي، وإماطة اللثام عن الصـراع الذي عاشته الأنا في مواجهة مع موضوعها؟

- فهل يمكن التراجع إلى الخلف خطوة، لشحذ الهمة تحضـيراً للقفز إلى الأمام خطوات جديدة؟

- أيُجدي الحفر في عمق الوعي واللاوعي نفعاً، لإدراك الحاضـر ولاستطلاع المستقبل المجهول؟

- لماذا لا يفعل العكس؛ أي الانطلاق من العالم الموضوعي لاكتشاف الأنا الذاتي وكل «الأنوات» المحيطة؟

- وهل هذه «الأنا» فردية أم جماعية؟ وهل أعبر هنا عن «أنا» أنانية، أم عن تكوين اجتماعي طبقي أو نخبوي...؟

- وهل هذه «الأنا» مركزية في التكوين الاجتماعي، أم هي نبتة برية، نمَت وكبرت على أطراف الحقل وعلى هامش الواقع؟

- وهل أملك/ نملك، وعياً بالعالم يؤهلنا لتفسـيره، ومن ثَم تفسـير ذاتنا/ ذواتنا؟

- هل سـيقودنا هذا الحديث عن «الذات» إلى المستقبل؟ وهل سـيعطينا دافعاً للبحث عن خلاص جماعي وإنساني؟

ثم يضيف الكاتب: ماذا عن العالم؟ وماذا عن الكون الذي يقع خارج الذات؟ ما زلت أعتقد أن وجود الكون مستقل عن وجودي الفيزيائي، إلا أنني أؤمّن له وجوداً ذكيّاً ومدركاً، فوجودي (كإنسان) يجعل وجوده مدركاً، فهو لم يستطع إدراك ذاته وحده؛ لذا كان الإنسان ذا أهمية خاصة. فإذا وُجِد على هذه البقعة من الكون «أناس» 7 مليارات منهم تقريباً، فربما كانوا الوحيدين في هذه المجرات الواسعة؛ لذا لوجودهم ولكُرتهم الأرضـية الصغيرة أهمية خاصة؛ لأنها وفّرت لهم الحياة، وهم وفروا بواسطتها الإدراك لهذا الكون الشاسع.

ومن خواطره في الكتاب خاطرة بعنوان "العدل والعدالة" ، كتب فيها: "الفرق بين العدالة والعدل هو نفس الفرق ما بين الحرية والتحرُّر. الأول هو مفهوم مجرد ومُطلق، والثاني هو تطبيق عملي ونِسبي للمفهوم.

لا تتحقق قيمة المفهوم دون اقتراب التطبيق الواقعي منه، فكلما حقّقنا العدل بطريقة صحيحة وعادلة، اقتربنا من مفهوم العدالة المجرد أكثر، وكلما أنجزنا فعل تحرُّرنا الكامل، اقتربنا أكثر من مفهوم الحرية المُطلق.

لذا كنا نحن العرب أحوج ما نكون للانتقال من المفاهيم المجردة إلى تطبيقها على أرض الواقع، وإلا أشبعنا العالم ثرثرةً دون أن نُقدم شـيئاً عمليّاً واحداً...! فهلّا أنجزنا فعلَ تحرُّرنا الوطني...؟"

وفي خاطرة بعنوان "التنوير"، كتب يقول: "التنوير نوعان: التنوير الليبرالي والتنوير الراديكالي الثوري، فالأول، يهدف إلى تحقيق المزيد من الحريات المجتمعية والفردية، والثاني يدخل إلى عمق المشكلة وينقدها نقداً راديكاليّاً تمهيداً لاستبدالها بمنظومة معرفية جديدة. التنوير الليبرالي يريد إحلال التفكير المنطقي والعقلاني في تدبير الحياة؛ والثاني يدعو إلى القطيعة المعرفية مع الماضـي، واستبدال المنظومة المعرفية السابقة بمنظومة علمية جديدة. خذوا مثالاً على التنوير الليبرالي، المفكر المغربي «محمد عابد الجابري» الذي دعا إلى العقلانية، أما التنوير العلمي، «فصادق جلال العظم» هو من أهم دعاته في الوطن العربي، فقد دعا إلى إحلال المنظومة العلمية بدل الغيبية".

يذكر أن الدكتور جورج يعقوب جبران الفار ولد سنة 1958 في مادبا، أنهى الثانوية العامة سنة 1976، وحصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة من جامعة اللاتران في روما بإيطاليا سنة 1979، وشهادة البكالوريوس في اللاهوت من الجامعة نفسها سنة 1982، ثم شهادة الدبلوم العالي في الفلسفة العربية الإسلامية من الجامعة اليسوعية في لبنان سنة 1986. كما حصل على شهادتَي الماجستير والدكتوراه في اللاهوت من جامعة اللاتران سنة 1992، وشهادة الماجستير في الفلسفة من جامعة كليرمونت الأميركية سنة 2005، ثم شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة الروح القدس في لبنان سنة 2009.

عمل مديراً لمدارس البطريركية اللاتينية بمادبا، ومدرّساً لمادة اللاهوت في جامعة بيت لحم/ فرع عمّان، ثم انتقل لتدريس الفلسفة في الجامعة الأردنية. وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، والجمعية الفلسفية الأردنية، والجمعية الفلسفية العربية.

ومن أعماله المنشورة: "حديقة راهب.. سر الكاهن وبوح الراهب"، مذكرات، 2001، "بهاء الأنثى.. رسائل إلى ابنتي المنتظرة"، 2010، "عارياً أمام الحقيقة"، فكر وفلسفة، 2009، "عودة الأنسنة في الفلسفة والأدب والسياسة"، 2011، "آفاق فلسفية .. أمكنة وأناس وأفكار"، 2012، "المقدس والسؤال الفلسفي" 2013، "ابن الإنسان"، رواية، 2014،"الفلسفة والوعي الديني" 2015،"قراءات في فلسفة الدين" 2016.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية