المجموعة القصصية (تنازلات) للقاصة الأردنية سمر الزعبي

مدار الساعة - كثيرا ما يعبّر الكُتّاب عن صدور كتابهم الأول باستخدام تعابير ذات صلة بالأمومة، والولادة، فنقول وُلد الكِتاب الأول... أشعر أنه ابني... ما زال الكتاب في أحشائي جنينا... لم تحن ولادته بعد...ولادة كانت عسيرة...

وفعلا، لا تلد الكاتبة سمر الزعبي قصتها إلا بعد أن يكتمل الحمل، وهكذا صدرت مجموعتها القصصية الأولى " تنازلات" مؤخرا عن الآن ناشرون وموزعون في عمّان، بعد سنوات من نشرها أول قصة لها في الصحافة، وحتى بعد فوزها في مسابقة "سواليف" للمبدعين الشباب ، ولصدور أول قصتين لها في كتاب" تباشير"، الذي صدر عن الآن ناشرون وموزعون سنة 2015، وضم مجموعة من نصوص المبدعين الشباب الذين شاركوا في مسابقات" سواليف" الإبداعية منذ انطلاقتها سنة 2011.

ويبدو أن هناك وجه شبه بين الكاتبة وبطلتها في قصة" تنازلات"، إذ أن البطلة التي تحب الكتابة، تجمع نثار كتاباتها، وكلّ أملها أن تنشرها في كتاب، وفي حين قدمت كل التنازلات في حياتها الخاصة محتفظة فقط بأوراقها، إلا أن ذلك لم يشفع لها، فالزوج الأناني الذي يريد كلَّ شيء، يريد أن يمتلك زوجته كاملة، بجسدها، وعقلها وروحها، لذلك هو في كل مرة يقتل أولادها، (شخوص رواياتها)، الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، ولا هي بعجزها تستطيع حمايتهم، فتلتهمهم النار...

هذه هي بطلة الكاتبة، لكن بالتأكيد لا تطابق بين الشخصية والكاتب، فالكاتبة أصرّت على أن تكتمل نصوصها، الستة والعشرون، وتودعهم في كتاب، وتطلقهم إلى الحرية، إذ لم تعد لا هي قادرة على إخفائها، ولا التحكم بها، ولا أحد قادر أن "يجمعها في كرتونة ليحرقها". وفي هذا الإطار سارت الكاتبة عكس بطلتها العاجزة، لتقول لها: إنني أقوى منك.

تتميز كتابة سمر الزعبي بالبحث الدائب عن شكل جديد لقصص يلدهها الواقع كل يوم، وكأنها تريد أن تعطي أهمية وقيمة لتلك القصص، التي غالبا ما تكون قد عايشتها بهذا المستوى أو ذاك. الشكل الفني الذي تبتكره الكاتبة يتيح لها أن تضع خطوطاً بارزة حول صور شخصياتها، وأن تؤطر هذا الجانب أو ذاك من أحداث تحيط بتلك الشخصيات.

ففي نص عدسة، الذي سبق وأن فاز بجائزة سواليف الإبداعية، تدمج الكاتبة بين السرد القصصي التقليدي وأسلوب المونتاج السينمائي، إذ تقدم المشهد المصوَّر بعدسة الكاميرا، ثم تجري التعليقات والتعديلات عليه.

"...بما أن روايتها مجروحة، فلنتوقف قليلاً، كي نتأهّب لتسجيل المشاهد بـ «الفيديو»، ثم نحكم على الشخوص بموضوعيّة.

سأتسلم دفّة الكاميرا عنكم، ها أنا أسجّل:

تظهر أم خالد الآن في الفيديو وهي تنزل من السـيارة راكضة نحو الدكان كالمجنونة، فقد سبقها أخوها ماجد إلى حيث زوجها.

ستوب..."

وهكذا يستمر بناء القصة حتى تكتمل الأحداث، وتتضح الصورة كاملة.

كما وتعنى الكاتبة بالوصف الدقيق لمشهدها القصصي، بريشة فنان، وعبارات نُحِتت نحتاً، وترسم شخصيات ليست نسخاً من الواقع، فالكاتبة تعيد رسمها بخطوط بارزة، حتى تعطي انطباعاً قوياً عنها. كتبت في قصة" من المطبخ"، تقول:

"...لا أعرف بماذا كنت أفكر بالضبط، آخر ما أذكره هو عزف الماء المنساب من الصنبور على الأواني المتراكمة داخل المجلى، ليست هواية ولا عملاً محبَّباً لدي، لذا يعزف وحده ويداي المدرّبتان، أما أنا فتفيض الدنيا أمامي بكل ما تجود به، أحلام يقظتي ملكٌ لي، ليست من عطائها، لكنني درّبتُ نفسـي كذلك على أن الحلم قطعة من الحقيقة، أحدهما منبثق من الآخر. .."

تلتقط الكاتبة موضوعات قصصها من الحياة، وشخصياتها، هي على الأغلب شخصيات نسوية نعرفها، تعيش بيننا، ومعنا، وتتكلم بذات الأفكار والهموم، فقصص الكاتبة هي مرآة حياتنا. كتبت عن المرأة الكاتبة، والمرأة المهزومة، والمرأة المأزومة، وتلجأ الكاتبة إلى الفنتازيا أحيانا لإخراج شخصيتها المأزومة من أزمتها، ففي قصة" عين ثالثة" حيث تعاني شخصيتها من الأرق بسبب كثرة التفكير في هموم الحياة، تخرج بحلٍ فنتازي:" ... نعم! لم يكن صعباً، الرأسُ التي أرهقتها أرقاً؛ فكّتها، وضعتها جانباً، واستغرقت بالنوم؛ تنعُمُ بليلة مميزة خالية من الكوابيس. صباحاً أعادت تركيبها، وهي تحاول استذكار شـيء مما مـضى، فوجدت الذاكرة مفرَغة تماماً، لكنّها أبدت استعداداً لأيّ جديد.

استقرّ بها الأمرُ على هذه الحال، إلى أن جاء يومٌ عـصـي عليها إعادتها إلى مكانها.. بدى أن المسنّنات في رقبتها قد تآكلت، فتركتها، ومضت في اكتشاف الحياة بلا رأس:

يا للهول!

الجارة بلا رأس، اللّحام كذلك، أمّا أطفالُ الحيّ فكانت لديهم رؤوس، لكن لا ظلال لها، والحكيم الذي لا يبرح شـرفته المطلّة على الحديقة العامة، بلا رأس أيضاً، «كونترول الباص»، والركّاب كانوا ذك الصباح برؤوس.. لكن فارغة، الزملاء بلا رؤوس..

متى انتشـرت هذه العدوى؟.. كيف لم تكتشف ذلك من قبل؟."


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة

آخر الأخبار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية