الوظيفة والمساواة وتكافؤ الفرص

الكاتب : د. مأمون نور الدين

تُعاد وتكرر؛ يفهمها الجميع إذا ما حُيّدت مصالحهم الشخصية، فيما يتقن تطبيقها القليل القليل من المسؤولين من كافة الطبقات الإدارية في القطاع العام على وجه الخصوص, ردّدت كثيراً هذه الشعارات الخاصّة بتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص في مواقع النفوذ والسيطرة على الموارد البشرية الخاصة بمؤسساتنا، إلّا أنّها زالت غير ملموسة على أرض الواقع بقناعة المسؤولين عن تطبيقها أنفسهم - قناعة قد تكون غير معلنة - وبشهادة المتضررين من غيابها.

وفق الدستور، فإن المواطنين كافّة سواسية يتشاركون نفس الحقوق والواجبات، أمّا في الواقع اليومي فيبدو الأمر غير ذلك, لقد تمرّست ثقافة الواسطة والمحسوبية، حتّى أصبحت نظاما مواز هو الساري على أرض الواقع، ففيه تنعدّم المساواة ويقسّم المواطنون إلى فئات حسبما يتمتّعون به من صلات ودعم يحسب على الواسطة والمحسوبية.

منذ مرحلة المقاعد الجامعية والبعثات الدراسية إلى الخارج، إلى الأولويات بالتعيين وتجاوز آلاف الأدوار في ديوان الخدمة المدنية، ومنها إلى الوثب على السلم الوظيفي وإمتيازاته وحتّى مرحلة الحصانة ضد تقييمات الأداء – إن وجدت -، فإن هذا المواطن المميّز بواسطته ومحسوبيّته لا يحتاج في كل هذه الرحلة لمؤهل سوى صلة قربى أو معرفة بصاحب نفوذ أو ثقل أيّ كان نوعه.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن المسؤول نفسه (ملبي الواسطة المباشر) قد لا يكون راض، إلّا أنّ لا مجال أمامه إلّا أن يرضخ أمام قوى شدّ عكسي قد تكون في كثير من الأحيان أقوى منه أو قادرة على التأثير على حياته المهنية، وهذا ما يسمّى عاميةً بممارسة الضغط. لا نبالغ بوصفها ثقافة، بل كيف لا؟ وقد أصبح لها جذور وأصول ممارسة وصلت إلى حدّ ممارسات روتينية تأتي على شكل «إمّا التنفيع أو التخريب» أو «واحدة مقابل أخرى» يتبادل فيها أصحاب النفوذ المنافع المتبادلة.

لقد حان الوقت لنعترف أن الواسطة والمحسوبية المنتقدة بالعلن مرغوبة بالباطن وأصبحت وسيلة يستغلّها من يمتلكها ويبحث عنها بأي ثمن من يفتقدها، لأنها بكل بساطة مفتاح المستقبل وسر الأمان الوظيفي، وحتّى أنّها عنوان خطة تقاعد الأحلام المفصّل حسب الرغبة للكثيرين. لا يتعلّق الموضوع بحجب الفرص عن أبناء المسؤولين وأقاربهم إن كانوا مؤهلين لخدمة الوطن من مؤسساتهم، بل أن الهدف الأسمى هو أن يعطى الجميع نفس الفرص وألّا يفرّق بين مواطن وآخر سوى تقييم عادل يعتمد على الكفاءة والأهلية فقط وليس زيارات وإتصالات وإحراج.

علينا أن نبدأ بثقافة مضادة نغرزها بسلوك أبنائنا فحواها أن الوطن للجميع وليس لفئة دون سواها، وأننا نعيش في دولة قانون حديثة لا طبقية فيها ترسم سقوفا من زجاج لا يجوز تجاوزها لمن هو غير مدعوم. إنّها بالخلاصة أخلاقيات المواطنة، والأخلاقيات تزرع بذورها في أحضان الأسر أولاً ومن ثم تنمو برعاية القانون الكافل لحقوق الجميع المساوي بينهم. يجب أن تكون هناك إجراءات تعزّز الشفافية والنزاهة لفرض المساواة وتكافؤ الفرص للأجيال القادمة علّنا نتخلّص من هذه الثقافة السلبية المؤثرة بشكل مباشر على أداء الدولة ومؤسساتها لما تسببه من ترّهل وهدر للطاقات الإبداعية والمال العام في آن واحد. كفانا دلالاً لفئة قليلة العدد كثيرة الدعم على حساب إحباط فئة كثيرة العدد قليلة الحيلة. يجب أن يتم تنفيذ إجراءات صارمة وإيجاد هيئات رقابية نزيهة متخصصة لضبط ومراجعة إجراءات التعيينات والترقية في مؤسسات الدولة والمؤسسات التابعة لها، ووقف التنفيعات التي أنهكت هذه المؤسسات خصوصاً الشبه حكومية والتي أصبحت طريدة يتسابق على خيرها الكثير دون حق.

الرأي


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية