أين دوري؟

الكاتب : بلال حسن التل

رغم حالة الفرقة التي مزقت أمتنا شذر مذر، حتى لا تكاد تجتمع إلا على شيء واحد، هو لعن واقعها وجلد ذاتها، وهو إجماع يكاد يلتقي عليه كل أبنائها حكاماً ومحكومين، أغنياء وفقراء، جهلة ومتعلمون، دون أن يتوقف الواحد منا عند سؤال بديهي هو من هي الأمة التي نشتمها جميعا؟ أليست الأمة هي: أنت وأنا ونحن جميعاً؟ ومن يصنع واقع الأمة؟ أليسوا أبناءنا، كل أبنائها: الظالمون والذين يصمتون على الظلم، والفاسدون والذين يصمتون على الفساد. فكل من يمارس الرذائل التي نجلد بها ظهر الأمة صباحا ومساء نحن جميعاً.

ألسنا نحن من يمارس ازدواجية الخطاب فنقول في السر غير الذي نقوله في العلن؟

ألسنا نحن من يمارس التناقض بين القول والسلوك فنلعن كثيراً سياسة الولايات المتحدة الأميركية ومن سار على نهجها من الدول الاستعمارية، ثم نتبارى للعمل في المؤسسات التي تنفذ السياسيات الأميركية والدول السائرة في ركبها ونصطف طوابير للحصول على تأشيرة الدخول إلى هذه الدول، ويتبارى الكثيرون منا لنيل رضى سفرائها؟

ألسنا نحن من يدافع عن فرقة الأمةوتمزقها؟عندما ندافع عن الحدود التي رسمها المستعمر وفق خرائط سايكس–بيكو، وغير سايكس – بيكو؟

ألسنا نحن الذين نعين عدو الأمة على بعض أبناء الامة متناسين الحكمة الخالدة « أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض»، ومتناسين أننا في ظل هذا الذي نعيشه من استقواء بالأجنبي على بعضنا، تحولنا إلى قطيع ينتظر كل من فيه الذبح الذي ننقاد إليه تباعاً، ونحن نستمرئ ذل التبعية والهوان؟

ألسنا نحن من يؤجج نيران الطائفية وبكل الوسائل المتاحة لنا؟

ألسنا نحن من يستقوي بالجهوية خدمة لمصالحه الضيقة ؟

ألسنا نحن من يتمرس وراء الإقليمية لتحقيق مكاسب شخصية ؟

ألسنا نحن من يلجأ إلى الواسطة ليأخذ حق غيره....وظيفة أو عطاء أو...إلخ،؟

ألسنا نحن من يمارس المحسوبية ليستقوي بها على غيره ويسلبهم حقوقهم؟

ألسنا نحن من يصفق للفساد والمفسدين ويمالئهم؟

أليست كل هذه الرذائل من صنع أيدينا نحن أبناء الأمة أفراداً وجماعات الذين نجلد ظهر أمتنا صباح مساء، ونحملها أوزار ما تصنعه أيدينا ثم نصفها بأنها الأمة التي ضحكت من جهلها الأمم، متناسين أننا نحن الذين نصنع جهلها، ونصنع واقعها الذي نتبرأ منه، رغم أننا شركاء في صناعته حكاماً ومحكومين ففي الأثر « كما تكونوا يولى عليكم» والدلائل تؤكد ذلك كله، فجل حكام الأمة والمسؤولين فيها هم من أبنائها الذي خرجوا من سواد الناس فيها، ومع ذلك فقد ابتعد جلها عن أحلام الأمة بالحرية والسيادة والاستقلال والعدل والمساواة، حتى صار البعض منا يتمنى عودة المستعمر، ويسعى إلى ذلك وهو يروج لفكر هذا المستعمر وثقافته، وهنا نتساءل ما الفرق بين السياسي الذي يتقاضى أجور قاعدة عسكرية في بلده، وبين مركز دراسات يتقاضى بدل نشر مفاهيم المستعمر في مجتمعه أو إنسان يعمل في مؤسسة تروج لمفاهيم المستعمر وثقافته. فكلهم شريك في صناعة الواقع الرديء الذي تعيشه الأمة.

ومثلما أننا جميعاً شركاء في صناعة الواقع الرديء الذي تعيشه أمتنا فإننا جميعا المكلفون بتغيير هذا الواقع، بأن يبدأ كل منا بتغيير نفسه ونفسيته، وبأن يبدأ بأداء واجبه،لأن التاريخ علمنا بأن الحكومات لا تصنع التغير الحضاري في المجتمعات بل الناس هم الذين يغيرون واقعهم، ودائما كان الضعفاء والفقراء هم وقود معركة تغير واقع أمتهم ومجتمعهم، ومن ثم فإن السؤال المطروح على كل واحد منا أين دوري في عملية التغير؟ وليسأل كل منا نفسه كم من الجهد يبذل لتغير واقع مجتمعه وواقع أمته؟ وليسأل كل واحد منا نفسه كما من مالي سخرت لنهوض مجتمعي؟ فهذا هو الطريق للخروج من الواقع الذي شاركنا جميعاً في صناعته مثلما نتشارك في لعنه وعلينا الآن واجب المشاركة في تغييره.

Bilal.tall@yahoo.com

الرأي


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية