سليمان الموسى.. مؤرخ وأديب يستحق احترامنا

* "كان قلبي دائما على بلدي الأردن. من هنا تصديت لكثيرين تحاملوا عليه، قاصدين عامدين أحيانا، ومن منطلق الجهالة العمياء، أحيانا أخرى" سٍليمان الموسى

أ.د. عصام سليمان الموسى

في الذكرى التاسعة لرحيل المؤرخ سليمان الموسى يوم 9 حزيران 2008 - رحمه الله – وبمناسبة بدء المئوية الثانية للثورة العربية الكبرى نستذكر مقولته عنها: ":"كانت ثورة شعب عريق ذي ماض مجيد وإسهام بارز في الحضارة العالمية، ثورة شعب يطلب الحرية والوحدة والكرامة كي يأخذ مكانه الطبيعي بين أمم العالم”. ويضيف المؤرخ الموسى قائلا: “واستحقت الثورة العربية صفة "الكبرى" لأنها "الثورة الوحيدة في تاريخ العرب الحديث التي قامت باسم العرب جميعا وباسم القومية العربية، وحارب في صفوفها مجاهدون من كافة أقطار العرب الآسيوية: الحجاز واليمن ونجد وسوريا والعراق وفلسطين ولبنان والأردن"(سليمان الموسى في : إمارة شرقي الأردن- نشأتها وتطورها في ربع قرن 1921-1946).

الملك عبدالله يكرم الموسى

استقبل جلالة الملك عبدا لله الثاني المؤرخ الراحل في آب عام 2007 وأثنى على جهوده في كتابة تاريخ الأردن والثورة العربية، وكرمه جلالته بأنه أمر بإعادة إصدار كتابين له وهما:

1- أيام لا تنسى: الأردن في حرب 1984: في هذا الكتاب المجلد سطرسليمان الموسى ملحمة بطولة الجيش ا لعربي الأردني في تلك الحرب وتتبع حوادثها ونشر صور ابطالها.

2- أعلام من الأردن (الجزء الأول): وفي هذا الكتاب رسم سيرة تحليلية لثلاثة من رؤساء الوزارات الأردنيين، هم: وصفي التل، وهزاع المجالي، وسليمان النابلسي.

وقد صدر الكتابان في طبعتين فاخرتين عن الديوان الملكي منذ ذلك التاريخ ، كانت آخرهما طبعة عام 1916.

تراثه الفكري

يبدو واضحا للعيان ان تراثه الفكري الذي خلفه وراءه ما زال يحدث أثرا عند الكتاب العرب، حتى خارج حدود الأردن. يقول الصحفي اللبناني سمير عطا لله في مقالة له باللغة الانجليزية نشرتها جريدة (الشرق الأوسط) –الطبعة الانجليزية- "أما سليمان الموسى نفسه، فانه يمثل فصلا مهما في ثقافة الأردن وأدبه، ويستحق لذلك احترامنا الكبير".

 لقد ترك كتاب (لورنس: وجهة نظر عربية) أثرا كبيرا في اوساط الباحثين الغربيين. وبحسب سمير عطا الله، فان سليمان الموسى "الوحيد" بين الباحثين العرب الذي تصدى لمزاعم لورنس من منطلق قناعته بأن الثورة كانت عربية قادها الشريف الحسين بن علي وأنجاله، وضحوا في سبيل مبادئها، وان لورنس كان مجرد ضابط ارتباط مع الانجليز.

ولا شك بأن كتاب (لورنس والعرب) الذي ترجم لثلاث لغات: الانجليزية والفرنسية واليابانية حقق للمؤرخ الأردني العالمية، وقد قدم فيه وجهة النظر العربية لحقيقة الثورة العربية، وأصبح مرجعا معتمدا للثورة ورجالاتها وأحداثها لا يستطيع أي باحث غربي ان يناقش تاريخ المنطقة دون الرجوع لمؤلفاته. ووصف الباحث والمؤرخ البريطاني (يوجين روجان) سليمان موسى بأنه الرائد
"” the great master of Jordanian history لتاريخ الفترة.

الأعمال الكاملة

بعد رحيل المؤرخ الموسى عن هذه الدنيا، ونتيجة لتنادي المثقفين والمسئولين من أبناء الوطن، الذين دعوا لإعادة طباعة أعماله ، أوصت لجنة تكريم سليمان الموسى التي تشكلت برئاسة المؤرخ الأستاذ الدكتور علي محافظة، وضمت في عضويتها ممثلين عن وزارة الثقافة، ورابطة الكتاب الأردنيين، وأمانة عمان الكبرى، بإعادة طباعة الأعمال الكاملة للراحل. ونتيجة هذا الجهد صدر في سلسلة الأعمال الكاملة عن (دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع لصاحبها محمد الشرقاوي ) ـ بطبعات فاخرة ـ 15 مجلدا في سلسلة الأعمال الكاملة لسليمان الموسى، وبدعم من وزارة الثقافة وأمانة عمان الكبرى والبنك الأهلي الأردني وبنك الإسكان ومنتدى الفكر العربي والبنك التجاري الأردني والبنك الكويتي الأردني. اما كتاب (تاريخ الأردن في القرن العشرين) الجزء الأول فسيصدر قريبا.

الثورة العربية وتاريخ الأردن

عاش المؤرخ الراحل سليمان الموسى (1919-2008) حياة مليئة زاخرة بالإنتاج العلمي ، ركز في مجملها دراساته على موضوعين رئيسين: ألثورة العربية الكبرى، وتاريخ الأردن في القرن العشرين.

وقد توج المؤرخ الراحل اعماله الفكرية بإصدار مجلدين عن (تاريخ الأردن في القرن العشرين). صدر الجزء الأول (بالاشتراك مع منيب الماضي) عام 1958 وغطى فيه تاريخ الأردن حتى ذلك العام، وفي العام 1996 أصدر الجزء الثاني (1958-1995)، وغطى تاريخ الأردن حتى عام 1996. هذان المجلدان وصفهما الدكتور معن باشا ابو نوار بأنهما "موسوعة تاريخية"، كما ان الدكتور جمال الشاعر أطلق عليه لقب "مؤرخ الأردن".

جهد في مؤلفاته ابراز دور الأردنيين في نضالهم. في كتابه (مذكرات الأمير زيد) يظهر المؤلف دور الأردنيين في حرب الثورة العربية الكبرى، وتضحياتهم الجسيمة. في كتابه (خطوات على الطريق سيرة قلم)، يقول سليمان الموسى: "كان قلبي دائما على بلدي الأردن. من هنا تصديت لكثيرين تحاملوا عليه، قاصدين عامدين أحيانا، ومن منطلق الجهالة العمياء، أحيانا أخرى".

حياته العملية

بدأت حياة الراحل سليمان الموسى العامة حين عمل في إذاعة عمان عام 1957 منتجا للبرامج الثقافية بعد تأسيسها في جبل الحسين ، ثم انتقل الى دائرة المطبوعات والنشر ليشرف على مجلة رسالة الأردن، التي كانت تصدر عن تلك الدائرة. ثم استقر في وزارة الثقافة وعمل رئيس تحرير لمجلة أفكار لمدة عام، وبقي في الوزارة حتى تقاعده عام 1984. بعد ذلك عين مستشاراً ثقافياً لأمين عمان الكبرى السيد عبد الرؤوف الروابدة حتى عام 1988. بعد ان تقاعد تفرغ للكتابة وأصدر الجزء الثاني من تاريخ الأردن في القرن العشرين عام 1997 محققا بذلك تاريخ الأردن طيلة القرن العشرين .
وخلال هذه السنوات حصل على جائزة الدولة التقديرية على مجمل أعماله ، وجائزة عبد الله بن الحسين لبحوث الحضارة الإسلامية عن كتابه (امارة شرقي الأردن: نشأتها وتطورها في ربع قرن 1921-1964) بالاضافة الى عدد من الأوسمة الملكية.

مكتبة سليمان الموسى المتخصصة


وأطلقت أمانة عمان الكبرى على مكتبتها في مركز الحسين الثقافي، اسم «مكتبة سليمان الموسى المتخصصة بتاريخ الأردن»، والتي تضم حوالي ثلاثة الآف كتاب عن الأردن. كما أطلقت الأمانة ومدينة مادبا وقرية الرفيد-مسقط رأسه- وقرية كفرسوم اسم الراحل على أحد الشوارع فيها تكريما لجهود مؤرخ الأردن. وكذلك فعلت وزارة التربية والتعليم التي أطلقت اسم الراحل على احد مدارسها.
الصفاوي والرويشد كما اطلقت أمانة عمان اسمه على شارع في خريبة السوق.

من انجازاته الوطنية والقومية

عمل على تغيير اسم بلدتين هما الاجفور والجفايف في شرق المملكة وكان الناس قد تعارفوا على تسميتهما بتحريف اسم الموقع الأجنبي وتعريبه (H4-H5)، مما استفز حس سليمان الموسى القومي متسائلا لماذا إهمال الأسم العربي للموقعين؟ واستجاب الوزير حسن المومني لدعوته وتغير اسم البلدتين الى الصفاوي والرويشد، وهو اسم المنطقة الأصلي للموقعين.

وفي فلسطين، تبني دعوة لإقامة ضريح للمناضل سعيد العاص الذي خاض حروب الثورة العربية الكبرى وواصل النضال في الثورة السورية ضد الفرنسيين، ثم لجأ الى الأردن والتحق بالمناضلين الى ان خر شهيدا على ثرى فلسطين. واستجاب أهل الخير لدعوته وارتفع النصب في قرية الخضر. وكان سليمان الموسى قد كتب عن سعيد العاص وعن نضاله بحثا مفصلا في كتابه الذي حمل اسم صور من البطولة. واثناء بحثه اكتشف ان الشهيد دفن في قبر بالكاد تعرف عليه سكان تلك القرية، فعز عليه ان يطويه النسيان بعد نضاله الاستثنائي في سبيل رفعة وطنه.

مولده ودراسته

ولد سليمان الموسى في قرية الرفيد في محافظة إربد عام 1919، وتلقى علومه الأولى في كتّاب القرية ومدرستها، ثم التحق بمدرسة الحصن، وعمل -في البداية- في مجال التدريس، ثم ذهب إلى فلسطين، وعمل في حيفا ويافا، وفتحت أمامه أبواب الثقافة، فكتب أول مؤلفاته، الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى، حيث أثرت فيه شخصية الشريف الحسين بن علي المثالية الذي قاد العرب في ثورتهم القومية للتحرر، والذي رفض الاعتراف بمطالب الإنجليز في الانتقاص من حقوق فلسطين العربية، فنفي وشرد بعد أن كان ملك العرب.

بعد عودته الى شرقي الأردن، عمل في المفرق في مطلع الأربعينيات في شركة نفط العراق، وساهم في الحراك الثقافي فأسس مع زملاء له نادي المفرق، ونشر في مجلات مختلفة، وأتقن اللغة الانجليزية، ثم اعتقل مرتين في أحداث الأردن السياسية بتهمة انتمائه لحزب قومي، وسجن في معتقل الجفر ومعتقل الزرقاء. وفي عام 1957 صدر كتابه الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى الذي كان كتبه في يافا قبل ذلك بعقدين ونيف.
الأتراك يدعونه
كرس سليمان الموسى من اجل الأردن قلمه بتفان منقطع النظير، وطور منهجا علميا فريدا مزج بين الأدب والتاريخ فكتب بأسلوب قريب لذوق القارئ العربي ما تعجز عنه مؤسسة بأكملها، فكانت موضوعيته مدعاة لاحترامه، ولهذا بقيت ذكراه ناصعة .

نال بسبب جهوده المجردة ارفع الأوسمة وأعلى التكريم في إثناء حياته، كان متواضعا في محراب العلم خدوما محبا لأبناء وطنه فأحبه كل من عرفه، وقدره أحسن تقدير. حتى الأتراك دعوه لزيارة تركيا وكرموه بعد صدور كتابه (لورنس والعرب: وجهة نظر عربية) الذي ترجم للانجليزية والفرنسية واليابانية، لأنه قام في كتابه هذا بتبرئة ضابط تركي من تهم كالها لورنس ألحقت بسمعته وسمعة الأتراك الأذى. ومع ان سليمان الموسى انتقد الدولة العثمانية وموقفها تجاه العرب، الا ان بحثه قاده لتبرئة الضابط التركي مما وصمه به لورنس من شذوذ فكان ذاك مدعاة لاحترام الأتراك له.

والباحثون الغربيون يزورونه

قدر الباحثون الغربيون أعمال سليمان الموسى في كتابة التاريخ ، وزاره عدد منهم. من هؤلاء المؤرخ جيرمي ولسون المتخصص بتاريخ لورنس وحياته، والذي رثاه بعد وفاته على موقع لورنس الذي يشرف عليه.

ومن الباحثين الانجليز الذين زاروه كولن ولسون مؤلف كتاب اللامنتمي، وأجرى معه مقابلة تلفزيزنية لصالح التلفزيون الياباني إثر ترجمة كتاب الموسى (لورنس: وجهة نظر عربية) إلى اليابانية.


التعليقات

الدكتورغالب عربيات - جامعة البلقاء التطبيقية -

15/06/2017 - AM 01:06 | ( 1 )
في الذكرى التاسعة لرحيل المؤرخ سليمان الموسى ندعو لمؤرخنا الراحل الموسى بالرحمة والمغفرة، ونستذكر جهوده التاريخية في اعادة كتابة تاريخ الأردن الحديث والمعاصر ... وكيف بذل الموسى جهده في كتابة التاريخ، لأنه كان يرى أن التاريخ يُمثِّل قصة الحياة والناس، فبدأ يكتب عن عدد من الشخصيات ذات الأثر الاجتماعي، والوطني، والأدبي، وكيف عمل على نشر وكتابة البدايات الاولى للنهضة العربية وقائدها الشريف الحسين بن علي من مضانها الرئيسة، فكان الراحل يُردِّد دائماً: أنا أعمل وأكتب، إذاً أنا موجود، ولإيمانه بمقولة أرسطو: على المؤرخ أن يكون قاضياً لا محامياً كان في عرضه للوقائع والمعلومات الوثائقية ذا شخصية متميزة، وعقلية متوازنة، ولطالما عاب على المؤرِّخين تطويعَهم التاريخَ لخدمة مَقاصِدهم السياسية والدعائية والعقائدية، فكان بحقٍّ أهلاً لأن يكون في مرتبة المتقدّمين من المؤرخين الأردنيين الأفذاذ، وقد اعتَنى الباحثون والأكاديميون بأعماله وكتاباته التاريخية ووثقوها من مصادره، فكان لأعماله تلك أثر واضحٌ في الدراسات والبحوث التاريخية، ولا سيما ما يتعلق منها بتاريخ الأردن، حتى إن بعض أعماله قد تُرجم إلى اللغات الأخرى. وإنه لمن دواعي الاعتزاز بالراحل أن قمت بتوجبه احد طلابي في مرحلة الماجستير للكتابة عنه وعن جهوده التاريخية، حيث أنجز رسالته عن مؤرخناالراحل والموسومة بـ سليمان الموسى مؤرِّخاً(1919- 2008م) في جامعة آل البيت عام 2016م، وهي قليلة بحقه وبجهودة التي كرس حياته من أجل إعلاء راية الأردن عالية خفاقة وتاريخها الناصح المؤسس على فكر النهضة العربية الكبرى. وإننا إذ نترحم علبه فإننا نتطلع إلى نشر المزيد من الدراسات والأوراق والوثائق التي يحتفظ بها ابناءه الأعزاء لترى النور إلى النشر في ذكرى مئوية مؤرخنا الراحل ، والتي لا تزال حبيسة الأدراج.

Younes ben amara -

15/06/2017 - AM 05:06 | ( 2 )
شخصية تستحق التقدير

سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية