ترسيم حدود « الملاعب» والمدرجات ..!

الكاتب : حسين الرواشدة

لا يوجد اسوأ من انقسام المجتمع، اذا حدث ذلك انقلبت موازين الناس وامزجتهم، وتحولوا من دائرة الانسجام والتآلف الى دائرة الصدام والتوحش، واصبحوا غرباء حتى ولو كانت تجمعهم اواصر القربى او المصاهرة او العيش المشترك والهوية الواحدة .

غالبا ما تكون الوحدة الوطنية هي العنوان الاهم بالنسبة للدول والشعوب، والوحدة هنا ليست شعارا يرفع، ولا مجرد مشاعر تستفزها اغنيات واناشيد تترد على موجات الاثير في كل صباح، ولا خطب تتكرر على المنابر ايام الجمع، الوحدة ولادة وصناعة معا : ولادة تخرج من تربة المجتمع النظيفة حين يطمئن الى عافيته، ويتحرر من عقده، ويتصالح مع نفسه، ويأنس بعضه في اطار الاحترام المتبادل والانسجام الاجتماعي، وهي ايضا صناعة تفرزها السياسة حين تتسم بالحكمة والعقلانية والاتزان، وتكفلها روح العدالة حين تطرد الظلم من حياة الناس، والحقد والضغينة من صدورهم، ويحيمها التعليم الذي يوازي بين العلم والقيم، والصناعة هنا كما هي الولادة مرتبطتان بوجود دولة قوية يؤمن بها الجميع وتؤمن هي بمن يعيشون فيها على اساس المواطنة الحقة والمساواة الكاملة .

في وقت مضى، كانت السياسة هي مصدر التهديد الابرز للوحدة الوطنية، فهي التي تعبث بنواميسها، وعلى هوامشها يحدث الصدام من اجل الوصول للسلطة والحكم، وكان المجتمع يدفع ضريبة هذا الصراع، لكن بعد الربيع العربي تطورت ادوات هذا الصراع وتعددت، فشهدنا صراعا باسم الدين وآخر باسم الطائفة وثالث باسم المذهب ورابع باسم الثروة، وحين ندقق في خرائط بلداننا العربية نجد ان مثل هذه الصراعات هي التربة التي خرجت منها حروب الاهل والاشقاء، وهي التي اسقطت العواصم، وانتجت التطرف والارهاب، واغرت الاخر على الدخول الى بلداننا المنكوبة واشعالها بالفتن والحروب .

في بلدنا التي تخلوا من مصادر الصدام الذي اشرنا اليه سابقا، برزت مدرجات الرياضة واللعب كمصدر اساس لانعاش مناخات الانقسام وتغذيتها، وسمعنا على مدى السنوات الماضية هتافات تسيء الى وحدتنا الوطنية، وكنا نخشى ان يمتد هذا العبث من المدرجات الى الشوارع والجامعات والصالونات، وقد حدث للاسف احيانا، وكدنا في لحظة ما نعتقد ان مثل “ البروفات “ الغريبة ستختفي، او ان وراءها “شلة “ من العابثين والمستهترين، لكن يبدو ان المسالة كانت اكبر من ذلك واعتقد قد اوشكت ان تصبح ظاهرة مزعجة، وان تتمدد في مجتمعنا لتصبح خطرا يهدد سلامته ووحدته وامنه الاجتماعي .

كان يمكن بالطبع ان نتعامل مع الروح الرياضية بعد ان فشلنا في التعامل مع الروح السياسية، ومن المفارقات هنا ان هذه الروح الرياضية التي كان من المفترض ان تتغذى من المصاهرات الاجتماعية حيث امتزجت دماء الناس وانسابهم مع بعضهم، مدت يدها “خارج الصندوق” فلم تجد سوى “ ماكينة” السياسية المعطلة وروحها الناشفة، هنا جرى الخلط بين الرياضي والسياسي والتحق بهما البزنس، فافرزت هذه الخلطة العجيبة مزيجا من التعصب والتهور والاستغلال، لا بل حاولت ان “ تصبغ “ حياتنا العامة بصبغة غريبة وهجينة لم نألفها، لوثت مجتمعنا وافسدت اخلاقانا واربكت لحمتنا الوطنية التي كانت – وما تزال – هي عنوان قوتنا، ومصدر اعتزازنا ايضا .

لابد ان نخرج من هذا الالتباس الخطير، اولا من خلال فك الاشتباك بين حزب الرياضة والسياسة، وثانيا من خلال ترسيم حدود الملاعب والمدرجات، في اطار الروح الرياضية التي تعكس اولويات مجتمعنا وقيمه، وثالثا من خلال انهاء حالة الثنائية التي تستمد قوتها وحضورها وازمتها ايضا من استغلال التعددية المجتمعية في اسوأ صورها، ثم لابد رابعا من اعادة الاعبتار لدور الرياضة كرافعة لقيم الدول ومصالحها، ولدور القانون في ضبط حركة الملعب واعادته الى سكته الصحيحة .

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية