أمة تسكن التاريخ

فهد الخيطان

نحن أمة تبهر العالم بحق، ليس في قاموسنا من إنجازات سوى الأزمات. أمة متخصصة في إنتاج الأزمات ليس إلا. حصتنا في هذا الميدان وافرة؛ الأزمة السورية، الأزمة الليبية، الأزمة اليمنية، الأزمة العراقية، الأزمة بين مصر والسودان، وبين الجزائر والمغرب، وأخيرا وليس آخرا الأزمة الخليجية.

لم نعد أصحاب قضايا بل أصحاب أزمات. ما اعتقدنا أنها قضية العرب الأولى لسبعين عاما مضت، تحولت بفعل فاعل إلى هامش في آخر الصفحة. من يذكر قضية الشعب الفلسطيني والاحتلال البغيض اليوم، وسط معمعان المعارك الطائفية والإقليمية، وصراع الأخوة الأعداء في الخليج العربي؟

أمة تطحن نفسها، وتهدر ثرواتها في حروبها الداخلية. حكومات تمعن في تحريض الشعوب العربية على بعضها بعضا ولاتوفر وسيلة إلا وتسخرها في حربها لشيطنة الشقيق، وطعن القريب. دول عربية تحاصر بعضها، ولا تتوانى عن قطع رغيف الخبز عن الشقيق.
أمة غارقة في الكراهية، لا تجيد غير هذه الثقافة البغيضة. نحتقر الآخر ولا نبالي بإرهاب إذا ما أصاب غيرنا. فضيحة المنتخب الوطني لدولة عربية في تصفيات كأس العالم ماتزال طرية، تذكرنا بما نحن على حقيقتنا. هل يعقل أن نقف دقيقة صمت تضامنا مع ضحايا إرهاب "مانشستر" وهم "كفار"؟!

لا شك أن غالبيتكم تتابع السجالات الدائرة بين أبناء العروبة والخليج بعد الأزمة التي تفجرت أخيرا بين الدول الخليجية. نقاشات وتعليقات مخزية تطفح بالكراهية والجهل، وكأننا نعيش في عالم ما قبل الدولة وعصر التكنولوجيا. ثقافة القبيلة المتكئة على الموروث الديني السلفي، لا صلة تربطها بالحداثة والعصر سوى الأدوات والتقنيات.

الدولة القُطرية التي نهضت على أنقاض الاستعمار الأجنبي قبل عقود طويلة كانت أفضل حالا من دول ومجتمعات القرن الحادي والعشرين؛ ثقافة ووعيا وتنويرا.

نحن اليوم بلا عقل، أسرى لغرائزنا البدائية، وهوياتنا الأولى، وللجانب المظلم من موروثنا القديم.

ماذا قدمنا للبشرية في السنوات الماضية، غير الإرهاب والكراهية والنفط؟

أمس أظهرت نتائج الانتخابات في بريطانيا، فوز 15 مسلما بريطانيا في البرلمان بينهم 8 نساء. أعطني بلدا عربيا واحدا تفوز فيه النساء بهذا العدد في انتخابات حرة تنافسية؟

هذه بريطانيا التي غرقت في الأمس القريب بدمها بفعل أعمال إرهابية ارتكبها أبناء جلدتنا.

شابة بنغالية من بين الفائزين، بينما في بعض بلداننا تعامل قريناتها من خادمات المنازل معاملة العبيد. وشابة ثانية لأم عربية فلسطينية لم تبلغ الثلاثين من عمرها تتفوق على واحد من حيتان حزب المحافظين في دائرته. من هن من أمثالها في بعض دولنا لايحق لها أن تسير في الشوارع مكشوفة الوجه، أو تقود سيارة، وهي تحمل درجة الدكتوراة في الفيزياء وتدرّس في"أكسفورد" أعرق جامعات الكون.

من وصف المواجهة الدائرة حاليا في الخليج بحرب البسوس كان على حق. كل حروبنا الداخلية وتلك المندلعة بين الدول على هذه الشاكلة. حروب من الماضي السحيق بأسبابها ودوافعها، وسلوك أطرافها. انظروا إلى حال المعارضة في سورية؛ فصائل تحمل أسماء من الماضي البعيد، تزعم أنها تقاتل من أجل مستقبل مشرق وديمقراطي لسورية، وحلفاء للنظام تسكنهم صراعات مذهبية مضى عليها أكثر من ألف عام.

هذه أمة تسكن التاريخ، ولن تعود للحياة قريبا.

الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية