الحرمي يكتب.. سنظل أوفياء لأهلنا بالخليج رغم مرارة الألم

كتب.. جابر الحرمي

من المؤكد أن ما حدث فجر العاشر من رمضان الفضيل 1438 هـ، الموافق الخامس من يونيو 2017، سيظل تاريخاً «أسود» في مسيرة مجلس التعاون الخليجي، الذي احتفل قبل أيام بمرور 36 عاماً على تأسيسه.

سابقة لم تألفها العلاقات الخليجية - الخليجية، بل حتى قبل قيام مجلس التعاون في 1981، فما حدث من قبل الأشقاء في الدول الثلاث: المملكة العربية السعودية، والإمارات، والبحرين، يعرّض مسيرة العمل الخليجي للخطر، فالاستهداف الحقيقي اليوم ليس لقطر، بل هو استهداف لمنظومة مجلس التعاون.

منذ أن بدأت الحملة الإعلامية الجائرة بغطاء «فبركة» تصريحات سمو الأمير -حفظه الله ونصره- فجر 24 مايو الماضي، بفعل اختراق وكالة الأنباء القطرية، والأمر مدبر للسير نحو التصعيد، فما أقدمت عليه «غرفة عمليات» التآمر ضرَبَ كل المحرمات دينياً وعرفياً واجتماعياً، ووصل الأمر إلى التحريض الرسمي والتجييش، بكل ما أوتوا من قوة إعلامية، لكنهم لم يستطيعوا تحقيق مرادهم من ذلك، فقد كان الشعب الخليجي أكثر وعياً مما يراد تدليسه عليه، فكان صلباً في مواجهة إساءات لم تبقِ ولم تذر في العلاقات الخليجية، بل انقلب السحر على الساحر، فإذا بعاصفة حب وتأييد تتصدر وسائل الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي دعماً لقطر وقيادتها، وهو ما أصاب القائمين على حلقات التآمر بالصدمة، فتداعوا إلى خلق تهم جديدة تلصق بقطر، وكلها يفضح بعضها البعض، وتشير إلى غرف «مخابراتية» تشرف على هذه الحملة، التي سرعان ما تطورت إلى قطع علاقات، وإغلاق الحدود، والمجال الجوي، في فجور بالخصومة لم يعهده أهل الخليج عبر أجيالهم.

ما حدث حقيقةً ضَربَ كل القواعد والأصول التي تربى عليها المجتمع الخليجي، فلم يُعرَف عن الخليجي أو العربي أنه قام بطرد من هو موجود في داره، كما حصل مع القطريين الذين كانوا متواجدين في الدول الشقيقة الثلاث، التي قامت بقطع علاقاتها، حيث تقطعت بهم السبل، واضطروا إلى الانتقال إلى بلد خليجي ثالث للعودة إلى قطر.

وهنا أسجل كلمة شكر وعرفان إلى كل من الشقيقة الكويت والشقيقة سلطنة عمان، والقائمين على طيرانهما، الذين قاموا بأدوار مشرفة في نقل المواطنين القطريين، بعدما أوقفت كل من الشقيقة السعودية والشقيقة الإمارات والشقيقة البحرين رحلات الخطوط القطرية مباشرة بعد إعلان المقاطعة. 

إن خوفنا في قطر ليس على قطر، إنما الخوف الحقيقي على مجلس التعاون الخليجي، وعلى مستقبل شعوب المنطقة، التي هي شعب واحد، وأسرة واحدة، فالمخاطر التي تواجه المنطقة أكبر من أن يواجهها طرف وحده، والدور إذا -لا قدر الله- انفرط عقد مجلس التعاون، لن يقف عند قطر، بل إن الحبل سيكون على الجرار، ولن يتوقف إلا بتدمير دول المجلس، فهناك من يتربص لهذه اللحظة.

تحديات ومخاطر كبرى تهددنا ككيان خليجي، وكشعب خليجي، كان الأولى أن يتم حشد هذه الطاقات الإعلامية، وهذه الجهود من أجل التصدي لها صفاً واحداً، بدلاً من تحريف البوصلة، لتكون قطر هي المستهدفة بهذا التجييش اللامعقول، وهذا التحريض غير المألوف، وهذا الهجوم الإعلامي الذي ضرب أسس العلاقة الخليجية - الخليجية، في اعتداء صارخ على كل القيم والمبادئ والأخلاق العربية والإسلامية وما تربينا عليه من عادات وتقاليد، فلم يعرف عن العربي والخليجي أنه أقدم على التشهير بالأعراض أو الطعن بالرموز، مهما اختلفنا مع بعضنا، فهناك محرمات لا يمكن كسرها أو الاقتراب منها، ولكن فيما تعرضت له قطر وقيادتها تم التخلي عن كل ذلك، دعك عن غياب المهنية في الحملة الظالمة والبشعة التي ظلت تنهش في الجسد القطري طوال أيام، ثم توجت بهذا العدوان الظالم وغير اللائق على بلد شقيق ومؤسس لمجلس التعاون، وكان خير داعم لمسيرته بالأفعال في أكثر من مرة.

حيكت هذه المؤامرة ضد قطر ظناً منهم أنهم سوف ينالون من إرادتها السياسية، أو مواقفها المبدئية حيال قضايا أمتها وشعوبها، وهذا أمر لن يحدث، فمن تبنى هذا الأمر لا يعرف قطر وتاريخها وقيادتها ورجالاتها، فهي «كعبة المضيوم» و«هداتنا يفرح بها كل مغبون»، وهذا لم يتأتَ إلا بتلك المواقف المنتصرة للمضطهدين، والمدافعة عن المظلومين.

قطر لا تغيّر مواقفها، لأنها بكل بساطة تنطلق من مبادئ وليس مصالح، وهنا الفرق بين مَن تحركه مبادئه وقيمه وأخلاقياته، وبين من تحركه مصالحه الشخصية، ونزعاته وأوهامه وتطلعاته غير المشروعة.

هذا الهجوم ليس الأول الذي تتعرض له قطر، ولن يكون الأخير، لكنه ضرب أسساً ومرتكزات في العمق الشعبي الخليجي، وهذا ما يحزننا أكثر، ويؤلمنا بصورة شديدة.

فلو تم حصر الخلاف أو الاختلاف في مستواه السياسي، دون إسقاطه على الشعوب، لما تألمنا بهذه الصورة، فالاختلافات السياسية موجودة في كل التكتلات العالمية، لكنها تظل محصورة فيما بين أروقة القاعات والاجتماعات، وهذا ما نشاهده في الاتحاد الأوروبي مثلاً، فهل رأينا يوماً أن هذا الاتحاد نقل خلافاته السياسية إلى الرأي العام الأوروبي؟

لم يحدث ذلك أبداً، ونحن أولى بذلك، نحن في الخليج نسيج واحد.. أسرة واحدة.. قبائل متداخلة.. أبناء عمومة.. أجزم لا يوجد بيت في أية دولة خليجية إلا وله امتداد بأي شكل من الأشكال مع أكثر من بيت في دول الخليج، فكيف يتم الإقدام على منع هذا التواصل الاجتماعي، و«طرد» المواطنين القطريين من بلدان خليجية وهم في زيارات أسرية، هل حدث مثل هذا قبل ذلك؟ أبداً.

والأدهى والأمر أننا في شهر رمضان الفضيل، شهر التواصل والرحمة وصلة الأرحام، وإذا بالبعض منا يقطع الأرحام، ويدفع نحو فتنة قد تأتي على الأخضر واليابس إذا لم يتم احتواؤها وبأسرع وقت ممكن، ونسأل الله -عز وجل- أن يكلل جهود صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت الشقيقة، أمير الإنسانية في مسعاه لاحتواء هذا الخلاف، الذي هو ليس في مصلحة أحد أبداً، فلمصلحة مَن هذه الخطوات التي تم اتخاذها ضد قطر؟

إن قطر وقيادتها رفضت الإقدام على خطوات مماثلة، لأنها حريصة على اللحمة الخليجية، وحريصة أشد الحرص على البيت الخليجي الواحد والموحد، وحريصة على العلاقات الأسرية في خليجنا، فلن تقدم قطر على أية خطوة من شأنها قطع الأرحام، فنحن نؤمن أننا جسد واحد، ولا يمكن فصل أي عضو منه.

الخوف اليوم أن ننزلق في مجلس التعاون إلى تصعيد غير محسوب، تكون نتيجته تفكك هذا الكيان الخليجي، الذي ظل صامداً رغم كل العواصف التي ضربت المنطقة، ظل صامداً في وقت تلاشت كل التجمعات العربية، فلماذا يحاول البعض هدم هذه التجربة الوحيدة الباقية، والأمل الوحيد في عالمنا العربي؟

لن أتحدث عن التهم والادعاءات التي تحدثت عنها الدول الثلاث في بياناتها المتشابهة بمفرداتها وكلماتها وجملها، وكأنها صيغت في «مطبخ» واحد، فكل ما قيل من مزاعم لم يتم تقديم دليل عملي أو ملموس واحد عليها، بما فيها مسرحية دعم الإرهاب ودعم «داعش»، هذه التهم والمزاعم فندتها وردت عليها الشعوب الخليجية، التي مهما قلنا عنها فإننا سنظل عاجزين عن شكرها لمواقفها المشرفة في دعم قطر، ومواقف قطر التي تلامس تطلعات شعبنا الخليجي الواحد.

إن هذا العبث الإعلامي والفتنة التي اختلقوها، والتي توجت بخطوة المقاطعة الشاملة، هي التي عرقلت الكثير من المشاريع الخليجية المشتركة، والتي كان من المفروض أن ينعم بها المواطن الخليجي.

صحيح تحققت إنجازات خلال مسيرة مجلس التعاون، لكن انزلاقنا في مراحل مختلفة لمعارك جانبية وافتعال قضايا هامشية أخرتنا عن تحقيق ما هو أكثر، خاصة أن الإمكانات والظروف كانت مهيأة، والتلاقي الشعبي والآمال والتطلعات واحدة، إلا أن اختلاق مثل هذه الأزمات هو الذي أربك مسيرة مجلس التعاون في كثير من مراحله، وللأسف إننا لا نستفيد من التجارب التي تعرضنا لها، ولا نستفيد من تجارب الآخرين الناجحة، أو تلك التي تعرضت لنكسات واندثرت.

إننا اليوم على مفترق طرق، وإذا ما تلاحق العقلاء وقيادات المجلس لمعالجة هذه الأزمة فإننا لن نكون بخير، ولست أقصد قطر أو مجلس التعاون ككيان، إنما أعني أن الخطر الأكبر سيكون على الشعوب الخليجية، التي ستدفع ثمن هذه «المغامرات» التي يمارسها البعض اليوم، ويتلاعب بمصير الشعب الخليجي ككل.

في قطر سنظل أوفياء لمسيرة مجلس التعاون الخليجي، وستظل قلوب القطريين قبل البيت القطري مفتوحة أمام أهلنا وأشقائنا في خليجنا الواحد، ولن يؤثر في علاقاتنا مع أهلنا بالخليج كل ما لاقيناه خلال الفترة الماضية من ظلم وألم ومرارة وتجنٍ وقذف.. فمن أجل أسرتنا الخليجية سنتحمل هذا الألم، لأننا ننظر إلى هذه اللحظة بأمل لمستقبل أفضل لأجيال المنطقة.

حفظ الله خليجنا، ورد عنه كيد الكائدين، ومؤامرة المتآمرين.;

(العرب القطرية)


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية