صبري الربيحات يكتب: الجديد في مكافحة الفساد

الكاتب : د. صبري ربيحات

باختلاف مواقفهم من الحكومة لا يخفي الناس شعورهم بوجود تطور ملحوظ في ادائها وطريقة معالجتها لبعض المشكلات المزمنة والطارئة. للمرة الاولى يشعر الناس بوجود اصرار على عمل شيء ما في ملف التعدي على المال العام ويلمسون بعض الاجراءات المصاحبة للتصريحات والتلميحات التي تصدر عن الحكومة والاجهزة الرقابية والسيادية فيها.

المداهمات والاعتقالات لبعض المتهمين والتحصيل لمبالغ مالية واجراء تسويات مع بعض المتهربين اصبحت بعضا من الاخبار التي يشير اليها وزراء الاعلام والمالية ومديرو الضريبة والجمارك في الايجازات الصحفية التي يشاركون فيها.

للمرة الاولى تخرج الحكومة عن موقفها التقليدي لتعترف بوجود تهرب ضريبي بالمليارات وتقوم بخطوات عملية لوقفه وتغييره. في الاعوام الاخيرة جاءت التحصيلات الضريبية اقل بكثير من القيم التقديرية لها، وقد اصبح التهرب نهجا تلجأ له العديد من الشركات والاعمال التي تخطط وتحتاط له في التسجيل والحسابات والتدقيق والتبرعات وانماط علاقات الحماية التي تبنيها مع العديد من الجهات والاشخاص في المواقع والمؤسسات المختلفة.

في الحديث الذي ادلى به رئيس الوزراء الاحد الماضي حول النهج والاجراءات التي ستتخذها الحكومة اشارات الى تحول في اسلوب التعاطي مع جرائم الفساد والتهرب الضريبي وغسيل الاموال وسائر اشكال التعديات على المال العام الا ان الطرح لا يصل الى مستوى استراتيجية شاملة تواجه الظاهرة برمتها وتسعى الى اجتثاثها من الجذور.

الفساد الذي يعاني منه المجتمع الاردني لا يقف عند التهرب الضريبي او غسل الاموال ورشوة مسؤول للحصول على عطاء او انجاز معاملة, بل يتعداه الى اغتصاب حقوق الطلبة في المنافسة على المقاعد ومنح البعض امتيازات لا يحصل عليها غيرهم والتغاضي عن مخالفة البعض للدستور والقوانين وتمكين البعض من التحكم في تقديم الخدمة العامة وتيسيرها لأشخاص وجماعات بعينها. في بلادنا يمكن ان يتلقى البعض معاملة وخدمات مميزة في الوقت الذي يحرم منها غيره لا لسبب غير صلاته بمن يديرون هذه المرافق ويقدمون الخدمات، يحصل ذلك في الوظائف العامة وفي المواقع المتقدمة.

في الاردن اليوم هناك تمييز واضح على كل المستويات حيث يدخل الطلبة الجامعة على اساسين احدهما المنافسة والآخر الامتيازات ويتحمل الاهل تكلفة المنافس وتتحمل الدولة قوائم الامتيازات ويمتد التمييز للعمل فيدخل البعض القطاع العام ليكسبوا حسب معادلة الاجور الاعتيادية في حين يتجه الآخرون نحو الهيئات والشركات الحكومية والبنوك ليتقدموا حسب معايير الاستثناءات هذا التمييز يتحول الى وقود للغضب والاستفزاز والحقد والكراهية التي تمهد للغش والتآكل والانتقام والفساد.

للكثير من المتابعين ما تزال الاهداف للحملة التي طالت العشرات من الشركات والافراد تحت البحث والتقصي فقد رأى البعض انها تهدف الى جمع اموال من المتهربين ضريبيا لإسناد الجهد الوطني وتعويض الخسائر في الواردات في حين يعتقد البعض انها خطوات في برنامج اصلاح اقتصادي سيضع حدا لسلوك التهرب وغسيل الاموال الذي دأب البعض على ممارسته والتستر عليه لسنوات، في حين يرى بعض المراقبين ان الدولة تمارس كافة سلطاتها وصلاحياتها في فرض السيادة والحد من جرائم التحايل والتهريب والتستر على الارباح والدخول التي تتحقق من عمليات ونشاطات اقتصادية بأساليب وطرق غير مشروعة تشكل خطرا على الاقتصاد وتشجع الآخرين على مخالفة القوانين.

أيا كانت الاسباب والمبررات لانطلاقها في هذا الوقت فان المجتمع بحاجة الى اصلاح شامل يطال علاقة الدولة بالمجتمع ويلتزم بمبدأ تكافؤ الفرص واحترام الدستور ووقف كافة اشكال الامتيازات التي تعطى لبعض الاشخاص والفئات على اسس غير موضوعية.

الجهد الذي تقوم به الدولة يحتاج الى سياسات تقف موقفا حازما وعادلا وواضحا من كل اشكال التمييز وتنحاز الى مبدأ سيادة القانون وتستجيب بسرعة وحزم لكل المخالفات بصرف النظر عن مواقع وخلفيات مرتكبيها وتشريعات تحقق العدالة وبرامج تنفيذية شاملة يقوم عليها اشخاص يرتبط ولاؤهم بالقانون وسط اجهزة اعلام ورقابة نزيهة وصادقة وعادلة وبغير ذلك فإن الجهد الذي تقوم به الحكومة لا يتجاوز موجة قد لا تترك اثرا غير الوهم بوجود اجراءات عرجاء قد تحقق مآرب غير واضحة تماما او تبري ذمة من يقودون المرحلة او خلق انطباع دولي بأن الدولة حازمة في مكافحة الفساد.الغد


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية