أحمد البطاينه يكتب : هل قدر الأردنيين أن يبقوا مديونين وتزداد ديونهم كل يوم ولا تنخفض

بقلم الدكتور أحمد صالح البطاينه

عندما أقول الأردنيين فأنا أعني ما أقول بكل معنى الكلمة لأن مديونية الأردن هي بالتالي دين في رقبة كل مواطن أردني حتى الذين لم يولدوا بعد. بل أن المواطن الأردني أصبح مرهوناً إلى أجل غير مسمى وأصبح ليله هم ونهاره .....تحت وطأة هذه الديون وخدمتها، كما نعرف عن معاناة المديون في التراث الشعبي ؟!

أنا لست اقتصادياً ولا أريد أن أكون، لكن من حقي أن أتساءل كمواطن، كيف اتحمل أنا وإبني وإبن إبني ...... إلى ما تشاء حكوماتنا وعلى طريقة الخاوة ديناً، وأنا أعلم كما يعلم غيري أنه لم يكن للمواطن رأياً فيه ولم يكن شريكاً في صنعه، وأن فساداً من كل لون لا رادع له رافق ويُرافق مسيرة الديون والاقتراض الذي لا يتوقف.

وكيف لنا كمواطنين أن نفهم هذا الكم الهائل من الدين الداخلي والخارجي والمنح والمساعدات مع الزيادة المستمرة في نسب الفقر والبطالة على سبيل المثال وليس الحصر؟!.

وكيف لنا أن نفهم بأن سلسلة الاجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومات واستهدفت زيادة إيرادات الدولة عبر فرض الضـريبة العامة على المبيعات وأشكال مختلفة من الضرائب الأخرى وزيادتها والرسوم ورفع اسعار المياه والكهرباء والمحروقات وتقليص الدعم وغيرها من الاجراءات لم تحد من ارتفاع المديونية أومن سياسة اللجوء الدائم للاقتراض.

من جانب آخر، أليس هناك تشريع يتضمن مواداً تمنع أن تتخطى المديونية الحدود الاقتصادية الآمنة، وبعدم جواز زيادة كل من صافي الرصيد القائم للدين العام الداخلي، والرصيد القائم للدين العام الخارجي في أي وقت من الأوقات عن 40 % من الناتج المحلي الإجمالي، وبعدم جواز زيادة الرصيد القائم للدين العام في أي وقت من الأوقات عن 60 %، الأمر الذي تم تجاوزه من قِبلِ حكوماتنا باستمرار وباستسهال وإصرار حتى وصلت المديونية إلى مستوى خطير جداً.

كيف يحق للحكومات المتعاقبة التي تتغنى بسيادة القانون ومن صميم مسؤولياتها إنفاذ القانون وتطبيقه أن تلجأ وبإصرار مستمر لخرق القانون وتضرب به عرض الحائط ، ويتحمل المواطن وأجياله المتعاقبة تبعات وتداعيات هذا الاستهتار بالقانون، وهل سيادة القانون تنطبق على المواطن ولا تنطبق على حكوماتنا التي كنا نسمع من إعلامنا على السنة تصريحات دهاقنتها بوصفها بأنها رشيدة زوراً وبهتاناً.

أما وقد " وقعت الفاس بالرأس " كما يقول مثلنا الشعبي البسيط، ووصلنا إلى هذا الحال الذي لا نحسد عليه، وحتى لا يكون نهج الاعتماد على الذات الذي ننادي باتباعه شعاراً فارغاً من مضمونه ، فماذا نحن فاعلون ؟

الاصلاح الشامل هو سبيلنا والمراجعة الشفافة والدقيقة لكل السياسات التي أدت إلى تورم المديونية هي الآلية المناسبة لاستخلاص الدروس المستفادة، ودفن هذه السياسات العقيمة إلى الأبد، على الأقل من باب ، " كفى للوطن والمواطن الذي لُدغ مرات ومرات أن يُلدغ مرات أخرى من نفس الجحر أو" الجحور ".

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية اتباع سياسة وقف الاقتراض لوضع حد لهذا التصاعد في المديونية التي تفتك بنا وباقتصادنا، وبالتالي بحياتنا عبرعدم السماح للحكومات تحت أي ظرف بالاقتراض، إلا في حدود ما يحدده التشريع المعتمد، والعمل الجاد على تآكل المديونية على المدييين القريب والبعيد كهدف استراتيجي لكل حكومة، وعلى هدي مثلنا الشعبي الشهير " على قدر لحافك مُدْ رجليك ".

لتعلم حكوماتنا يقيناً أن غالبية أبناء هذا الوطن الذين يعيشون فيه ويعيش فيهم على استعداد أن يأكلوا الكراديش ليبقى هذا الوطن عزيزاً كريماً نظيفاً من المتاجرين به وبهم، وتخليص هذا الوطن من المديونية التي أصبحت تشكل عبئاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً عليه. ولكن لا يحق لأي حكومة أن تجعل المواطن الأردني يدفع الثمن وحده كاملاً غير منقوص دون المتسببين بالفساد والإثراء غير المشروع الذي يتمتع فيه نسبة غير قليلة في الأردن على حساب الغالبية الساحقة من أبنائه.

ولكن يحق لها أن تطالب المواطن أن يتحمل نصيبه من هذا المغرم إذا ارادت واستطاعت أن تكسر فعلاً ظهر الفساد وضرب معاقل الفاسدين وبمعزل عن أي اعتبارات مهما كانت ، وأن لا أحد بمنأى عن المساءلة على جميع المستويات.

إلى جانب ذلك وكما اتخذت الحكومات ساسلة من الاجراءات الاقتصادية التي استهدفت المواطنين تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، فإنها مطالبة ايضاً باتخاذ سلسلة من الاصلاحات السياسية والاقتصادية ، فلا إصلاح اقتصادي دون أن يلازمه إصلاح سياسي، وما كان للشعب الأردني واقتصاده أن يصل لهذه المعاناة وتداعياتها الاجتماعية الخطيرة لو تهيأت له فرصة اطلاق العنان للمعارضة البناءة والمكاشفة والمساءلة الحقيقية عبر الأطر الدستورية لتصحيح مسار الدولة على كل المستويات.

ألم يصل إلى مسامع حكومانتا المستجدة من هنا وهناك مراراً وتكراراً تحذيرات من خطورة ما وصلت إليه المديونية وضرورة اتخاذ الاجراءات الضرورية لوقف تصاعدها من بينها على سبيل الأمثلة وليس الحصر ضبط الهدر في الانفاق الحكومي، وإلغاء ما يسمى بالهيئات والوحدات المستقلة التي أصبحت عبئاً ثقيلاً على موازنة الدولة، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي والدفع بعجلة تشجيع الاستثمار، إلى غيرها من الاصلاحات، والأهم من ذلك كله إعادة النظر بكل ظواهر الانفاق المتعددة والمتنوعة الوجوه التي لا تتناسب مطلقاً وإمكانيات الدولة.

ولكن النهج المعتمد الذي كان ولا يزال للحكومات اتجاه كل ذلك " قل ما تريد وأنا أفعل ما أريد " حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من المعاناة الوطنية.

 




جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية