صبري ربيحات يكتب: عفرا.. هل ستعيد الكورونا اكتشافها؟

الكاتب : د. صبري ربيحات

ربما لا يعرفها الكثير من صناع السياسات والخطط الخاصة بتطوير السياحة وتشجيع السياحة الداخلية، فالمنطقة التي كانت مقصدا للباحثين عن الخلاص من اوجاعهم ومعاناتهم يأتون إليها من قلب الجزيرة العربية وبلدان المشرق والمغرب العربي فمياهها الدافئة تحوي الكثير من المعادن التي يتواصفها الحكماء والاطباء الشعبيون. في الجنوب كانت الرحلة الباذخة الوحيدة التي يمكن ان يقدم عليها المنعمون تنتهي بهم في عفرا حيث برك المياه الساخنة التي تتجاوز حرارة بعضها الـ50 درجة مئوية. فيما يشبه الطقوس الدينية يحمل الرجال والنساء الذين تأخر انجابهم قرابين يمتزج فيها الاستطباب بالدعاء والامل فيعود معظمهم في سنوات لاحقة لإعادة الطقس وشكر الله على النعم. كبار السن والاطفال الذين أعيتهم الايام او اصابهم الشلل وضعف الاطراف يمضون اياما وليالي في وادي عفرا الساحر الذي ظل احد اهم المعالم التي يتمنى الجميع ان تتاح لهم فرص زيارتها والمكوث فيها.
عفرا التي جاء على ذكرها المؤرخون والكتاب والرحالة وحملت الكثير من الكتب التاريخية وقصص الرحالة وروايات الخطار وصفا لغزارة المياه المنبعثة من شقوق الصخور الحمراء في نهايات الوادي المنحدر من اعالي الاراضي المرتفعة قبل ان يلتقي السيل بوادي الحسا الذي كان احد اهم الانهار التي توقفت عنده الهجرات العربية من الجزيرة في بحثها عن ديار اكثر خصبا وألطف مناخا في الفضاء الممتد من الجوف جنوبا الى الفرات شرقا ومن يافا وغزة غربا الى الاسكندرونة وحلب شمالا.
الأنبياء والامراء والرسل وكل الباحثين عن العلاج في المشرق العربي توقفوا عند عفرا وآثارها التي تحمل كهوفها اسماء سليمان وداود ويعتقد البعض انها عاصمة من عواصم الروم بدليل انها شهدت اعدام فروة بن عمرو الجذامي الحاكم الغساني لمنطقة معان وما حولها بعد ان عرف بالدعوة الاسلامية واعجب بالرسول الكريم واهداه فرسا بيضاء.
في كل مرة يلتقي أهلنا الحكومة ورجالاتها يتلون على مسامعهم هموم المحافظة واوجاعها ويقولون بأعلى صوت إن بلدنا تحتاج الى اهتمام افضل بالزراعة والسياحة والطاقة. فتستجيب الدولة بترخيص فيض من شركات تغرس مئات المنصات الاسمنتية في اساسات التوربيدات المولدة للطاقة من الرياح وتشوه جمال المكان دون توفير فرص العمل او اشراك الاهالي في عائدات الاستثمار او ترسي عطاء جديدا على نائب سابق ليبني عبارة اسمنتية بشعة تستولي على جمال وادي عفرا وبعد ذلك تختفي المشروعات والاهتمامات ليقال في كل مناسبة لقد قمنا بما ينبغي علينا القيام به دون جدوى. على المساحة الهائلة للمحافظة التي تربو على 2200كم2 لا يسمح لأحد ان يحفر بئرا ارتوازية ويتذلق الناس من العطش والماء فوق ظهورهم محمول.
اليوم وبالتزامن مع تهيئة البلاد لمزيد من الانفتاح والسماح باستقبال السياح الراغبين بتلقي العلاج او الاستمتاع بالميزات المناخية والتاريخية والجمالية للمواقع والاماكن يخطر ببالي سؤال حول الابعاد التنموية لخطط الانعاش والترويج واذا ما كانت الطفيلة على قائمة الاهتمام الحكومي او اعتبار عفرا مرفقا للسياحة العلاجية.
أقولها وأتمنى أن اكون مخطئا بأني لا أعتقد ان عفرا على قوائم الحكومة فهي بعيدة عن المركز ولا احد من صناع القرار لديه الوقت الكافي ليمضي يوما او اثنين في المنطقة ليتعرف على ما يحتاج له هذا المرفق لكي يكون جاهزا لاستقبال نصيبه من السياحة. بالنسبة للكثير ممن يعملون في هذه الملفات يقتصر تعريف السياحة العلاجية على الاطباء والفنادق والحمامات المعدنية والمنتجعات التي تديرها شركات والعمل مع عفرا وامثالها قد يكون متعبا ويحتاج لما ليس بمقدور القائمين على الملف السياحي القيام به.

الغد


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية