البروفيسور أحمد ملاعبة يكتب: بانوراما نفق اليرموك – ديكابولس.. الكنز الأردني المنثور بلا حماية

كتب: أ.د. أحمـد ملاعبـة

ليس من السهل ان يمتلك وطن بحجم الأردن، كنزا منثورا على جنبات نهر اليرموك "سيد انهار الأرض" بلاحماية.. كنز عز نظيره ومثيله على مستوى العالم، إنه نفق اليرموك - ديكابولس، أسطورة الحياة في سراديب المياه.

هذا النفق الذي تم حفره بأذرع رجال أصلهم عرب، لهم في علياء الدار لألأة وفي الأفق القصي الفن والإبداع والنحت، في رحلة إستمرت زهاء 200 عام، حيث بدأت رحلة المطارق والازاميل بيد النحاتين الذين لا تزال أصداء أزاميلهم ومطارقهم تشدوا ألحان الماء الرقراق العذب المنساب على أرضية النفق المائي وفي الأودية العملاقة المجاورة،أسطورة أنفاق العالم التي تتجدل داخل سهوب وسهول وبيادر لوائي بني كنانة والرمثا ،بين آبل الزيت وآبل القمح،في أرض أبهرت القياصرة والأباطرة والملوك،وهم يخيلون العلياء في دروب شمال الأردن،حيث الفصول الأربعة المكتملة والهواء العليل والماء السلسبيل والتربة الحمراء تشفي الغليل ،التي لا تزال رغم تعمق وتوغل الزمن تعطي سلال الخير الوفير في كل شهر تتدلى ثمار وأزهار الخير .

هنا تتذوق منتوجات الفصول فعنب اليوم على سبيل المثال يتبعه تين الغد ،وترى الرمان مستويا على سوقه بلونه النطاسي النحاسي المحمرخجله ،من ألّا يوفي أصحاب الأرض حقها من غدق الثمر وغذف عصائر المشمش والبرقوق والكرز والبرتقال الشهي الذي تعبق رائحته عن بعد في أرجاء المكان،يشتمها ذلك الفارس الممتطي صهوة جواده ليحمي تخوم أرض آبل الزيت.

هذا النفق يبهر الحضارات القديم منها والحديث،بطوله الفاره الممتد لأكثر من 140 كم، منتظرا من يأخذ بزمام المبادرة لإعادة الحياة إلى جذوته وتدفق المياه مجددا بين جنباته إمكانات حضارية وثقافية وتاريخية كبيرة برسم الإستثمار وصناعة السياحة والإقتصاد التراثي، وينظر من بعيد إلى أنفاق العالم الأخرى التي يغلى قلبها داخلها حسدا لعدم قدرتها على مجاراة نفق اليرموك-ديكابولس ،فهذا نفق كوتشي في فيتنام الذي عاصر ثلاثة حروب،وإستطاع الفيتناميون خلاله هزيمة كا من فرنسا وبريطانيا وأمريكا،وطوله لا يتجاوز ال 100 كم،وإرتفاعه لا يتجاوز المتر الواحد،ومع ذلك فإنه يجذب الخير الكثير إلى اهله.

رغم ذلك فإن كل ما تحدثنا عنه لا يساوي عشر ذلك الجهد الذي بذل في حفر نفق اليرموك-ديكابولس، من بطولات الرجال الذين نحتوا صلب الصخر قاسيه،فما تشققت لهم الأرض بسراديب إلا بمقدار الدماء التي تدفقت من عروقهم ،وقد تقلعت أظافرهم وتكسرت عظامهم ذلك فإن النفق الفيتنامي بوجود إرادة وإدارة شاملة متكاملة ،فاض بخيره العميم معطيا في عام واحد لفيتنام 17 مليار دولار،ولنتذكر هذا الرقم جيدا إذ يقال أنه عن الأردن دوما بحجم بعض الورد وشوكته ردت إلى الشرق صباه،فأين انتم أيها الجالسون في العمارات الباسقات،التي تحت سقوفها تقبع وزارات ومكاتب من خشب السوّيد والسنديان المجمل بأفخم أنواع الجلود،وتجلسون ساعات النهار الطويل في غرف مكيفة تبريدا وتسخينا ...امام مكاتبكم حاجب وكاتب وسيارات فارهه يجلس فيها سائق خاص يريد لقمة تعينه على العيش فقد آن لكم ان تنهضوا فالنفق ينادي قبل مجيء الغروب ويسأم هذا النفق سحناتكم،ويكره وجوهكم القطوب،وإذا لم تكونوا بمستوى الحضارة والطبيعة العملاقة ،فلا تكونوا لصيقين بالكراسي ،لأن هؤلاء كان دوام حالهم من المحال،فكنوز الوطن تنادي فهلا إشتد عودكم لحمل معول ،أو ليت علمكم إن كان لديكم علما بالموضوع من نهضة بلد أرهقته المديونية والقروض غير القادرين على سداد فوائدها.

بدلا من طرق أبواب المؤسسات المالية الدولية وكواليس الإسترزاق، ها هو النفق وببضعة ملايين من الدنانير يعطيكم مليارات كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة مثل سيل الماء الذهبي المتدفق،وقد فجر قصة النفق الفقير إلى الله أنا البروفيسور أحمد ملاعبة وأطلق عليّ الألمان بسبب ذلك وغيره "قيصر الصحراء"وهي قصة إكتشافات لامست شغاف قلبي مذ كنت كنت شابا يافعا أتجول على قدمي بين أودية كفر سوم وسمر وإبدر،حفيد أكبر تجار الأردن وفلسطين الشيخ المرجوم أحمد ملاعبة الذي عرف النفق منذ القرن التاسع عشر وأنشأ عليه طواحين ،لا تزال أركانها ثابتة على متفرع نفق اليرموك-ديكابولس في وادي سمر ،الذي تصب فيه عين الهيدبان الشهيرة.

كل هذه الملامح إكتشفتها وبكل تواضع أنا قيصر الصحراء بعد ان أنهيت دراستي الجامعية في ألمانيا وحصلت على شهادة الدكتورة في هندسة علوم الأرض والبيئة،وعدت إلى الوطن بعد ان خدمت في العديد من الجامعات العالمية،لأربط بين قطع النفق التائه هنا وهناك على سفوح البلدات في شمال الأردن، وتوصلت إلى نتيجة فنّدت كل الخرافات السائدة ،وهي ان النفق غير متصل من الطرّة إلى أم قيس،كما هو متداول شعبيا وعلميا،وأثبتت أنها شبكة من الأنفاق الأرضية كل منها يغذي مدينة بعينها ،مثل شبكة راحوب وشبكة قويلبة"أبيلا" وشبكة كابيتاليوس"بيت راس"،وقدمت نموذجا علميا مزودا بشبكات مرسومة بثلاثة أبعاد ومسارات النفق وتتابعاته داخل الأرض وميلان أرضيته التي تنساب المياه فيها.

قصة نفق اليرموك-ديكابولس قصة لم تتسعها كافة الموسوعات العلمية ،ولم تستطع كل الحضارات قاطبة إستجماع قوة وجدارة هذا النفق الأبي الذي ينادي من خلال أكثر من ثلاثة آلاف مدخل، بصوت واحد وبلسان صدق: أيها السادة الذين تتغنون بامجاد الوطن آن لكم أن تتغنوا بجدائل وضفائر هذا القطار المائي المنساب بطول 140 كم ،على سكة مائية فيه سفن وقوارب شعاعية ،إكتسبت من شعاع الشمس بريقها ومن ينابيع الأرض المتدفقة سلسبيلها ،فتدفق المياء ليروي الشجر والحجر والأثر والبشر وبكميات كبيرة ،ولسان حاله يقول:انا الذي أرويت الإنسان ب 500 ليترا منن المياه يوميا في كافة المدن والأراضي التي أمر بها،لا بل كان الماء العذب الذي ينساب من عروقي ينبت أشجار اللوز والزيتون وشجيرات الزعتر والطيون وورود الأقحوان والدحنون والزنبق ،يعبق أريجها بعيدا بعيدا حيث يلتقي سلسبيل مائي مع القبة الثلجية لجبل الشخ،وبقليل من الإهتمام سأعود إليكم بالخير الوفير، فهل من مدّكر؟




جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية