وداعاً للصفقات النارية والرواتب الخرافية.. ما مصير كرة القدم بعد الجائحة؟

مدار الساعة - كانت فكرة كتاب المؤلف روب سميث "كيف تهزم إدمان كرة القدم"، استعراض طرق التغلب على حب وإدمان كرة القدم. وهي الفكرة التي جعلت محبي كرة القدم يتهافتون على انتقاء نسختهم من الكتاب، بسبب اللعبة التي تجاوزت حدود اللعب والترفيه وتحولت إلى إدمان يجتاحهم ويسيطر عليهم.

قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنه لم يكن كذلك على الإطلاق، حيث أضاف سميث في نهاية عنوان كتابه جملة بين قوسين: "دليل شامل لا معنى له"، كدلالة واضحة وصريحة على أن حب كرة القدم لا يمكن التغلب عليه والتعافي منه بشكل أبدي. 

ويستعرض سميث في كتابه، طرق هزيمة الفرق والتكتيكات المختلفة، كدلالة أخرى عن أهمية كرة القدم، وأن حبها ليس حباً أعمى.

عذاب الشوق

يبدو أن سميث كان محقاً بالفعل؛ لأن معظمنا -إن لم يكن جميعنا- اكتشف أنه لا مفرّ من كرة القدم إلا لها. بل لم ينظر البعض الجاهل بأساسيات الوقاية من فيروس كورونا البسيطة والتي تتركز في تجنب التجمعات، وأدلى برأيه الصريح في عودة كرة القدم بشكل مبكر، حتى دون أخذ الاحتياطات الكافية والمطمئنة إذا كان هذا الشرط لعودتها، وبين الجهل والالتزام، كان مبرر هؤلاء أن المرض الجسدي أهون بكثير من عذاب الاشتياق!

لا يتوقف هذا العذاب على مشجعي كرة القدم فقط. في 8 أبريل/نيسان ومنذ شهرين فقط، أقرّ مدرب نادي توتنهام الإنجليزي جوزيه مورينيو بخرقه قوانين العزل التام في بريطانيا، عندما أجرى تدريباً رجلاً لرجل مع لاعبه الفرنسي تانجي ندومبيلي في إحدى المساحات الخضراء في العاصمة لندن، مبرراً ذلك بأنه افتقد كرة القدم.

لم يتوقف الأمر هنا فقط، حيث نشرت صحيفة سكاي نيوز أن نادي توتنهام قد حذر مورينيو من قبل ألا يفعل ذلك لأن النادي يعرف جيداً كيف يفكر البرتغالي، وعدم سيره الدائم على الصراط المستقيم. ورغم ذلك، ضرب مورينيو التحذيرات عرض الحائط، اندفاعاً لإطفاء نار شوقه.

مورينيو يتدرب مع لاعبيه في منتزه

يؤكد علماء النفس والاجتماع أنه كلما ازداد ارتباط الشخص بشخص أو شيءٍ ما، ازدادت حِدة ردود فعله في أي موقف يتعرض له بخصوص ذلك الشخص أو الشيء، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، مُفرِحاً أو مُحزِناً.

بعد انتهاء مباراة نصف نهائي كأس العالم 2014، بين منتخبي البرازيل وألمانيا بسباعية أوروبية في قلب ماراكانا، كتب الصحفي إيريك سيمونز في جريدة كولومبيا أن تلك الخسارة تسببت في زيادة معدل الغضب والسلبية والإحباط في دولة دينها الأول كرة القدم، ما أدى لزيادة حالات الطلاق في البرازيل في تلك السنة، وزيادة معدل التقاعد في الوظائف.

لم ينجُ أحد

لم تقتصر أزمة كورونا بالنسبة لكرة القدم على اشتياقنا لها فقط، حيث كانت قاسية جداً على مسؤولي كرة القدم أنفسهم. بعد أن توقف النشاط الكروي في الدوريات الأوروبية، كما هو الحال العالم لضمان سلامة الجميع. لذلك لم ينجُ أحد من الخسائر الفادحة التي اختلفت درجاتها من بلد لآخر، ومن نادٍ لآخر.

نشرت صحيفة سكاي نيوز تقريراً مفاده أن خسائر الدوري الإنجليزي تجاوزت ملياراً و137 مليون إسترليني جراء تفشي فيرس كورونا، وهو رقم قد يتسبب في إفلاس أندية وضرر جائح لأندية أخرى؛ الأمر الذي دفع مسؤولي الدوري للإجتماع لمناقشة تلك المصيبة، بحضور 3 أشخاص نيابةً عن كل نادٍ، منهم قائد الفريق والمدير الفني.

الأمر لا يقتصر على الدوري الإنجليزي فقط، ففي إيطاليا وتحديداً يوفنتوس، يتوقع النقاد بشدة تضرر النادي ووضعه في مأزق لا يحسد عليه. نشرت صحيفة الكوريري الإيطالية منذ 3 أشهر تقريراً ورد فيه أن الصافي الإلزامي الذي يتوجب على إدارة يوفنتوس توفيره في الموازنة يُقارِب 147 مليون يورو، معنى ذلك أنه لا حل إلا في الحصول على الدوري الإيطالي والوصول لنصف نهائي دوري الأبطال كحد أدنى، لزيادة عوائد البث وبيع القمصان بأعلى تكلفة، أو أن يبيع يوفنتوس اثنين من نجوم الفريق.

كل هذا جعل قطاعاً كبيراً من الفرق الأوروبية يفكرون جزماً في تقليل رواتب لاعبيهم، حيث نشرت صحيفة "90 دقيقة" الإيطالية تقريراً عن أن إدارة نادي إنتر ميلان أجرت اتصالات مع العديد من الأندية الأوروبية، بما في ذلك برشلونة وريال مدريد، لبحث هذا الأمر.

وجاءت المبادرة من الجميع، أولاً من الدوري الإنجليزي، بالحملة التي قادها هاري ماغواير وجوردان هندرسون قائدا قطبي إنجلترا، لتخفيض رواتب جميع اللاعبين إلى نسبة تصل إلى 30% من كافة الرواتب.

ماغواير إلى اليمين وهندرسون يساراً

قابلت إدارة مانشستر يونايتد تلك الحملة بالرفض، حيث حرص النادي على عدم تقليل رواتب اللاعبين وحصول الجميع على مستحقاته المالية، فبادر ماغواير وراشفورد وبيساكا باقتطاع أجزاء من رواتبهم لصالح الأعمال الخيرية والطبية لمساعدة مرضى كورونا.

بعد ذلك أعلن نادي برشلونة تخفيض رواتب اللاعبين بقيادة ليونيل ميسي بنسب ليست محددة، وأعلن نادي أرسنال تخفيض رواتب لاعبيه بنسبة 12.5% لخزينة النادي، وحسب موقع جول العالمي، قد أعرب بيب غوارديولا عن حرصه على تخفيض رواتب لاعبي فريقه، واقترح الاتحاد الصيني تخفيض رواتب لاعبي ومدربي فرق الدوري إلى 30%.

أكثر منطقية

لنسأل الأسئلة الهامة إذاً، بعد انتهاء جائحة فيروس كورونا، هل سيبقى الوضع كما هو عليه مسبقاً؟ أم سيتغير كل شيء؟

شهد سوق الانتقالات تحولاً مريباً في كافة أسعار اللاعبين والانتقالات، تحديداً عندما اشترى باريس سان جيرمان نيمار مقابل 222 مليون يورو في صيف 2017، ومن يومها وأسعار اللاعبين في تضخم مستمر. لكن ربما جاءت الجائحة لتضع حداً لهذا التضخم، الأزمة المالية القادمة قد تدفع سوق الانتقالات للعودة إلى نظام ما قبل عام 2017، عندما كانت الصفقات أكثر منطقية مع بعض الاستثناءات.

تحدث الصحفي الإيطالي إيمانويلي جيلانيلي عن العالم الجديد الذي ستشهده كرة القدم بعد انتهاء أزمة كورونا قائلاً: "بالطبع سنشهد إنفاقاً أقل، وصفقات أقل، سيؤثر الأمر كذلك على رواتب اللاعبين الضخمة، التي ستصبح ذكرى من الماضي".

لكن لدى الصحفي الرياضي برايان سوانسون وجهة نظر مختلفة، أنه من المبكر الآن تقييم التأثير المادي على اللعبة. لكنه يرى أهمية الجائحة في دفع المسؤولين لإعادة التفكير ومراجعة أنظمتهم المالية، خاصة الأندية الصغيرة؛ لأنها الأكثر عُرضة للإفلاس عن غيرها.

يتفق الصحفيان على أن كورونا سيغير الكثير في عالم كرة القدم، لكنهما يختلفان في التفاصيل. فواقعياً الفرق التي ستتعرض للضربة الأقوى بعد الأزمة، هي الأندية الصغيرة، والتي قد تفلس تماماً بسبب الأزمة المالية الحالية، وبسبب ذلك قد تضطر تلك الأندية للتخلي عن أبرز لاعبيها، مثلما فعل نادي بريشيا على سبيل المثال في تقليل سعر لاعبه تونالي بقيمة 10 ملايين يورو.

هناك الكثير من الأمور من الصعب التكهن بها حالياً، لكن حتماً ستتغير الخارطة في كل شيء، حتى بالنسبة للاعبين، هناك من سيرتفع مستواه عند عودة كرة القدم، وهناك من سيهبط، وبين ذاك وذلك، أعيدوا لنا كرة القدم!




جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية