أوس الرواشدة يكتب: كيف سيكون العالم بعد كورونا ؟

أوس حسين الرواشدة

يقول علماء الاجتماع أن العالم بعد انتهاء أزمة كورونا سيتجه ليكون اكثر اجتماعاً وتعاوناً ، أو اكثر وحدانيةً وتفرقاً وطمعا ، ويقول علماء الاقتصاد أن العالم المادي الذي نعيش فيه ، سيُسأل يوماً ما عن عدم تقديم الكمامات واجهزة التنفس بشكل غير ربحي لسكانه ، وترك كبار السن " غير المنتجين" ليلقوا حتفهم ، ويقول راسخون في العلم ، أن العلم سيأخذ موقعا استراتيجيا جديدا بعد كورونا ليكون رقم واحد ، متفوقا بذلك على تجارة النفط والصناعات الثقيلة .

غيّرت الأوبئة على مدى التاريخ شكل العالم كما لم يفعل ذلك شيء قط ، فقد انهار النظام الاقطاعي في بريطانيا بعد طاعون عام ١٣٥٠ ، بسبب تغييره للظروف الاقتصادية والديموغرافية ، وتلاشت امبراطورية الآزتك عام ١٥٢٠ بسبب عدوى الجدري التي جلبها العبيد معهم زمن الرِّق ، ٩٠٪؜ من سكان الأمريكيتين الأصليين لقوا مصرعهم بسبب امراض معدية جلبها الاستعمار الاسباني معه ، كالحصبة والطاعون الدبلي .
كانت هذه الأوبئة في قديم الزمان ، أمّا في زماننا هذا ، في المئة سنة الماضية تقريبا ، انتشرت الانفلونزا الاسبانية عام ١٩١٨ وقتلت على أقل تقدير ٥٠ مليون شخص ، واليوم لدينا كوڤيد ١٩ ، الذي يبدو أكثر شراسة في الانتشار من اي وباء آخر .

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، قُسّم العالم إلى جزئين ، جزء شرقي بقيادة الاتحاد السوڤيتي والصين ، وجزء غربي بقيادة أمريكا والدول الاوربية العظمى ، وبعد انهيار الاتحاد السوڤيتي ، استطاع الجزء الغربي احتلال العالم سياسيا واقتصاديا ، لتشكل خمسة دول وهم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وجه العالم الجديد ، بترك جزء يسير منه إلى الصين وروسيا .

ماذا كان موقف العالم الغربي من كورونا ؟ ، وكيف تعامل معه ؟ ، في بداية الامر لم تتخذ اي من دوله موقفا حازما ضد كورونا ، وأخذوا دور المشاهدين فقط ، وهم يضعون اللوم على الصين ، ولسان حالهم يقول : الوباء صيني وليس عالمي ، وما إن
" وقعت الفاس بالراس " ، حتى اتخذوا اجراءات صارمه ضد الوباء ، وحاولوا قلب الأمر لصالحهم ، بقيام شركات ومؤسسات بتغيير اختصاصاتها لتصنّع الكمامات والاجهزة التنفسية بهدف الربح .

أمّا العالم الشرقي ، وبعد اتخاذ الاجراءات الصارمة ضد الجائحة ، حاول تحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية ، حيث الصين التي تعدّ اليوم " منجم العالم للمستلزمات الصحية " بامكانيتها الصناعية الضخمة ، وروسيا التي تقدم مساعدات صحية لإيطاليا ، ما يزيد حجم الاتهامات ضدها بأنها الداعم الخفي لحركة اليمين في اوروبا .

إنَّ انشغال الدول العظمى في العالم بمواجهة كورونا وحماية مصالحها ، دليل على أن المنظمات العالمية كمجلس الامن ومنظمة الصحية العالمية التي لم يتجاوز دورها عن تقديم النصائح والارشادات العامة ، ما هي إِلَّا مجرد " قناع لطيف " يحاول اقناع العالم ، بأنّهم يوحدونه تحت سقف واحد .

سينتهي الوباء كما انتهى غيره ، لكن سيشكل هذا الانتهاء توجها جديدا ، ربما في المجال الاقتصادي او السياسي او الثقافي او الديني، لا نستطيع أن نحكم بعد ، وسيكون هذا التوجه بقيادة لا نعرفها حتى الآن ، علينا المراقبة عن كثب وأخذ العِبَر .




جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية