صبري ربيحات يكتب: بابور القرية..


في قرية عيمة الشاكرة لربها والمحروسة برعايته كان الناس يخافون الله ويؤمنون بالقدر ويحترمون الحكمة المستندة الى الايمان والتجارب.... في القرية التي تخلو من كل مصادر الضجيج والاصوات كان بابور الطحين القديم اهم منشأة صناعية يعلو ضجيجها في سماء القرية الوادعة.

على صوت البابور الذي لا تدور ماكنته الا بعد اجراءات المكنكة والتزييت اليومي وبعد ان تفيض بركة تبريد الماكنات بالمياه التي يجري جلبها من عين الماء المجاور "عدوي"، تدور حركة الحياة في القرية التي هجرهها غالبية اهلها بحثا عن الخبز الجاهز والعمل الذي يوفر لهم ما يجنبهم مغامرات الزراعة غير مضمونة العوائد التي حافظ عليها القلة المتبقية من ابناء القرية.

في حوش البابور الذي تعود ملكيتة للحاج هرون السعود احد وجهاء القرية وربما اكثرهم اهتماما بالتكنولوجيا وتاثرا بانتشارها كان الطحانة يلقون بحمولات دوابهم من الحبوب التي جاءوا بها للطحين والجرش ويربطون رواحلهم التي قد يطول بها البقاء لايام بانتظار ان ياتي دور حبهم على القائمة التي قد تطول او تقصر.

للشيخ هرون ارتباطات قرابية ببعض العائلات المعانية التي تاثرت وعملت في بناء الخط الحديدي الحجازي والفت التعامل مع الالة التي كانت بواكير انتشتارها على هيئة معاصر الزيتون وماكنات الخياطة وبوابير الطحين والتراكتورات الزراعية وسيارات النقل على ندرتها.

ماكنة البابور التي اسسها هرون وادارها العم ابو عماد المعاني تشتمل على جاروشة لانتاج جريش القمح والعدس والكرسنة والبرغل اضافة الى ما يجري طحنه من القمح والشعير على امتداد ساعات النهار ويتجاوزها الى ساعات الليل في المواسم التي تقترب فيها منازل اصدقائنا الاكراد والبدو من عشائر العزازمة والشرارات والعطاونة والمناعيين من محيط القرية طلبا للرعي.

الملفت في سلوك العم موسى المعاني " ابو صالح" المشغل والمسؤول الاول عن ادارة البابور كثرة معالجاته وتقليبه الدائم لمعايير الطحن والمؤشرات المؤثرة على خشونة او نعومة الطحن فلا تكاد يده ترفع عن القرص الذي يتحكم في العملية ومخرجاتها وللدرجة التي تبقى ايادي الطحانة على قلوبهم خوفا من تغير منسوب الدقة في الدقيق الذي سيخرج من اقراص مطحنة الحاج هرون.

اليوم اتذكر بابور قريتنا وانا اتتبع القرارات التي تتخذها حكومتنا وخلايا الازمة فما ان يبدو لنا ان البلاد تتجه نحو الانفراج والانفتاح حتي يتحرك القرص ليعيدها الى ما كانت عليه وبنفس الطريقة التي دفعت بالعم ابو صالح الى تحويل الطحين من ناعم الى خشن دونما نعرف ما يدور في راسه وهو يضرب بقضيب الحديد على خزان القمح ويلف قرص التنعيم بالاتجاه المعاكس...

رحم الله الحاج هرون وابو صالح وكل الذين طحنوا في بابور قريتنا العتيقة.




جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية