“شو عملت الكورونا…؟”

الكاتب : د. صبري ربيحات

لم يتخيل أحد من الذين أنهوا الخطط الخمسية والعشرية لبلدانهم أن العالم على موعد مع غزو لكائنات ميكروسكوبية تغير وجه الزمان وتضع حدا لكل السيناريوهات الطموحة التي وضعوها للنمو الاقتصادي والتفوق العسكري والتقدم على سلم التكنولوجيا والاختراعات والرفاه.

الغطرسة الأميركية وروح العداء التي أظهرها الرئيس الأميركي تجاه الصين وأوروبا والفلسطينيين والعالم، وازدراؤه لخصومه في السياسة والصحافة واستعراضه لقدراته الخارقة على إخضاع العرب وتخويفهم وتهديدهم أخذت بالتلاشي شيئا فشيئا. المتتبع لتصريحات الرئيس الأميركي حيال الكورونا يلاحظ تغير اللهجة والخطاب فبعدما اعتبره فيروسا صينيا تحول نحو اعتباره جائحة عالمية تعني بلاده كما تعني العالم.

على صعيد القضية الفلسطينية خفت نشوة الاستعراض التي هيمنت على خطاب اليمين الإسرائيلي منذ الإعلان عن صفقة القرن ليقتصر على الإجراءات والأساليب المرتبطة بتجاوز أزمة الكورونا واحتواء التبعات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن انتشار الفيروس.

في الأردن عمل انتشار الفيروس وسرعة استجابة الحكومة له وطرق تعاملها مع الأزمة على بث الروح الإيجابية لدى مختلف الأوساط والطبقات الاجتماعية. على مساحة البلاد انتعش شعور الناس بالكرامة وتناقص إحساسهم بالخوف وزاد استعدادهم للامتثال والعطاء والتعاون. البث الإعلامي المتواصل لإجراءات العزل والحجر زاد من ثقة المواطنين بالدولة وقدرتها على التعاطي مع المستجدات بصدق وحرفية واقتدار. الاحترام والتقدير للدولة ومؤسساتها وللاعبين الأساسيين والثانويين أصبح مظهرا عاما في مختلف أرجاء البلاد.

الجديد فيما حصل خلال الأيام الماضية يرتبط بعلاقة الدولة بالمواطن فقد انخفض منسوب النقد والتجني لدى البعض وارتفع مستوى الثقة والاحترام للقائمين على قطاعات الإدارة والخدمات فالحكومة اليوم أقرب إلى مخاوف الناس، والوزراء يتحدثون من غير ارتباك والناس يعلمون أن وراء كل تصريح إجراء. في الصورة العامة يبدو التنسيق بين المؤسسات على أشده؛ فالجميع يتحركون بسرعة وثقة.

للمرة الأولى أصبح الناس يستمعون إلى التصريحات الحكومية من غير ملل أو تأفف. في حالات عديدة يعقد المشاهدون مقارنات بين سمات وخصائص من يُطلون عليهم عبر الشاشات. فقد أدركوا أن لديهم وزراء قادرين على تحمل المسؤولية وبعث الثقة.

الاعتزاز بالأداء الأردني بدا واضحا والاستعداد للعمل والتطوع يتصاعد ساعة فساعة والأغاني والقصائد التي رسمت صورة الانتماء والعطاء والفداء الأردني عادت إلى الواجهة بعدما كادت أن تندثر معانيها. القصيدة التي نظمها الراحل حبيب الزيودي لتصف علاقة الأردنيين بوطنهم وحبهم وتعلقهم به تشكل أجمل التعابير عن الحالة الأردنية الجديدة “عساك دايم شديد الحيل… عزيز يا الأردن الغالي… وإن ثقل حملك نشيله شيل.. ونميل الرأس بعقالي”.

على الصعيد العالمي وبعد عقود من المنافسة والغطرسة والصراع تبدو البشرية اليوم أكثر تفهما لإنسانيتها وضعفها وهشاشة أنظمتها وتحصيناتها بعدما أخافها انتشار كائن ميكروسكوبي غير مرئي. من الصين إلى الولايات المتحدة ومن كوريا إلى إيطاليا وفي كل من إسبانيا وإيران وبقية أرجاء العالم تجابه السلطات والشعوب هذا الكائن دون التيقن من قدرتهم على الانتصار.

وحدة المصير والتحدي دفعت بالجميع إلى مشاركة المعلومات التي يعرفونها عن طبيعة المرض وسلوك الفيروس الجديد والوسائل والأساليب التي قد تحد من قدرته على الفتك في المصابين. منذ أن ظهرت الإصابات الأولى بهذا الوباء والناس يدركون أنهم متشابهون في المخاوف والمشاعر والتهديدات والحزن والألم. فللمرة الأولى يشعر الأردنيون بأن ما تقوله أنجيلا ميركل ودونالد ترامب والخامنئي يعنيهم كما يعني شعوب تلك الدول.

الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية