كورونا يقتل الليبرالية والعولمة

الكاتب : جميل النمري

المستقبل سيشهد أفول الليبرالية واقتصاد السوق والعولمة لصالح شيء جديد ستحدد ملامحه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي وهندسة الجينات. هذا ما توقعه عالم التاريخ يوفال هراري في كتابه الثاني Homo deus ملخص في تاريخ الغد وهو كتبه بعد النجاح المذهل لكتابه الأول Homo sapiens ملخص في تاريخ النوع البشري

لكن على غير توقع يستبق فيروس كورونا المستقبل بضربة مسبقة لأقانيم الرأسمالية في طورها الأخير الفردانية الليبرالية والسوق الحر والعولمة. تبخرت المعتقدات الليبرالية أمام حقيقة الخطر الداهم لوباء عابر للدول والحدود فانتصبت الحواجز وأقيمت المتاريس على الموارس، وعادت السلطة المركزية بقبول تلقائي من المجتمع لتقبض على مقاليد الأمور وتصدر القرارات العرفية التي ينصاع لها الجميع بلا اعتراض. الدولة الوطنية تمارس أقصى مظاهر السيادة على أرضها وحدودها وشعبها وتضطلع بمسؤوليتها في حماية مجتمعها الخاص دون ادنى اعتبار لأي جهة أخرى بما في ذلك مصالح الأعمال والشركات العابرة للقارات. وتصدر الدولة في المانيا والولايات المتحدة قرارات اقتصادية لحماية شركاتها واستثماراتها التي هوت اسهمها بالسوق فتفتح صنبور الدعم والتمويل غير المحدود بالقروض أو بشراء الأسهم وتملك أجزاء من الشركات وربما اذا ساءت الأمور تؤمم القطاع الصحي أو تسيطر بقوة القرار العرفي على أي مؤسسات صحية لتسخيرها في مواجهة الوباء

لقد قدمت الصين مثالا لأداء سلطة الدولة الفعال في هذه الظروف بأقوى وأفضل من الأنظمة الليبرالية. فليس هناك جهات خاصّة وافراد يمكن الركون اليهم للقيام بمهمة إنقاذية عامّة لحياة المواطنين انها مسؤولية الدولة بامتياز. وهكذا بعد تمجيد القطاع الخاص والعائلات والأفراد وخياراتهم الحرّة يعود المجتمع بوصفه كينونة تسمو سلطتها وارادتها التي تمثلها الدولة فوق الأفراد وكشيء لا يمكن الاستغناء عنه. واذا صحت الأخبار فغدا سيمتد ذلك الى اسواق المال والأسهم لأن الصينيين يشترون بكثافة أسهم الشركات المتهاوية والدول الغربية لن تقبل ان تفيق على حقيقة امتلاك الصين لها وسوف تتدخل ولو بالضد من مبادئ حرية المال والأسواق

وقبل أيام نشرت مجلة فورين بوليسي مقالا تحت عنوان كورونا فيروس يقتل العولمة كما نعرفها ولاحظ المقال ان الاضطراب المؤقت الذي صنعه الوباء لسلاسل التزويد العالمية وفي مقدمتها الصين قد يكون له أثر دائم بالنظر لدروس مخاطر الاعتماد الوطني بالكامل على سلاسل تزويد عالمية موزعة لأجزاء السلع والخدمات وهو ما يعني ان العولمة تتعرض لضربة قاصمة

مشهد المدن والمطارات والمرافق الفارغة والأوامر الصارمة لحظر الحركة او التجمعات ومشهد الرجال بملابس العزل التام يمارسون الإخلاء وعمليات التعقيم لمدن بأسرها لم يسبق ان رأيناه إلا في افلام الخيال العلمي حيث سلطة ما غامضة تأخذ بيدها ادارة الموقف ومواجهة الكارثة وهذا كان غالبا بتأثير فرضية ان سلطة الدولة كما نعرفها ستكون في عالم المستقبل قد اختفت لكن الحكومات ما تزال موجودة وما حدث سيعزز موجبات استمرارها وليس أفولها

لكن أين هذا من النتيجة التي يخلص لها هراري في كتابه عن نهاية الليبرالية الديمقراطية واقتصاد السوق التقليدي؟ بالتأكيد هو يتوقع شيئا جديدا مختلفا عما فعله فيروس كورونا لكن يمكن وضع الأمرين في سياق مشترك ما يزال يتوجب تمحيصه ومن ذلك مفاهيم النمو والاستهلاك ونمط الحياة فهي ستخضع لتأثير مزدوج دروس الكورونا من جهة وما يقدمه العالم الرقمي من جهة أخرى ولهذا حديث لاحق

الآثار المحتملة عندنا لن تختلف عن بقية العالم مع اضافة بعض الخصوصيات الاجتماعية ويمكن ان نقول مثلا وداعا للقبل الاجتماعية من اليوم والى الأبد.(الغد)


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية