عبد السلام الطراونة يكتب: وصفيات (3)

بقلم: عبد السلام الطراونة

أما قبلُ.. فإني أبدأ بسم الله الرحمن الرحيم وأقتبس مما قاله جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه عشية استشهاد وصفي التل حيث يقول: (عاش وصفي جندياً منذوراً لخدمة بلده وأُمته يكافح بشرف ورجولة من اجلها.. وقضى كجندي باسل فيما هو ماضٍ بالكفاح في سبيلها برجولة وشرف). كلام الملك ملك الكلام. وصدق الحسين الغالي.

وأما بعدُ.. فقد كثر في الآونة الأخيرة الحديث من قبل النواب وغير النواب من سياسيين وحزبيين عن الولاية العامة، وكان الكلام في مُجمله يطوف حول إعادة انتاج نموذج لرئيس حكومة يقترب من تخوم ايقونة الهيبة والرمز الكبير وصفي التل الذي كان يمارس الولاية العامة بحق وحقيق..

وإذا ما استثنينا عدداً لا يتجاوز أصابع اليدين الاثنتين من أعضاء مجلس النواب المرموقين الذين نقدر مواقفهم ونثق بطروحاتهم بالإضافة إلى بعض الأصوات الصادقة البعيدة عن الهوى والغرض الشخصي والتي تسعى لما فيه خير الوطن، فإن المرء لا يتوقف كثيراً عند بعض الطروحات بهذا الصدد من حيث تكنولوجيا الطرح ابتداءً والتي تأتي من قبيل (شوفيني يا بنت الخال) حيناً.. وتحقيق المصلحة الخاصة أحياناً بالإضافة الى الاستعراض الانتخابي لحصد الأصوات.. والاستعراض اللفظي والسياسي لغايات "الوزرنة " في أحايين كثيرة!!

حاصله.. وجدتني ألوذ الى ذوي الرأي والمنصفين وكبار المسؤولين من معاصري الشهيد وصفي التل للحديث عن الولاية العامة وممارسيها لان لديهم ما يقولونه كزوادة بهذا الخصوص. وأقتبس من حديث دولة رئيس الوزراء الأسبق الأستاذ احمد عبيدات من خلال ندوة عقدها مركز البيرق الاردني.

في العام (2011) م تحت عنوان (وصفي التل - قراءات في فكره وتجاربه) حيث يقول: كان الشهيد وصفي التل يؤمن بما يقول ويفعل.. ويواجه المشكلات الصعبة بشجاعة.. ولم يختبئ يوماً عند مواجهة القرارات الحاسمة والمصيرية وراء الملك! وتصرف بشؤون الحكم بأسلوب مباشر وحازم وبطريقة غير مألوفة.

إن أغلب رؤساء الحكومات والنخب السياسية كانت تعتاش على استجداء الشعبية بأي ثمن!! بينما الشهيد وصفي التل كان يعرف كل شبر من ارض الوطن مثلما كان قريباً من الناس ملامساً لهم يعيش همومهم ويحل كل القضايا بنفسه..

(2)

جاء الشهيد وصفي التل يحمل مشروعاً إصلاحياً طموحاً واضعاً نصب عينيه تطهير أدوات الدولة من الفساد والفاسدين ...وقد فعل ذلك بكل جرأة وقوة!!

إن الولاية العامة التي يتحدث عنها السياسيون والحزبيون اليوم هي استحقاق دستوري محسوم، ويفترض وجود برلمان وأحزاب وحتى في غياب البرلمان والأحزاب والانتخابات كان الشهيد وصفي التل يمثل عملياً هذا المفهوم ويعرف أن له امتداداً عميقاً بين الشعب الذي جاء ليخدم مصالحه !!فكان وقتها وحتى لو لم يكن ممثلاً لحزب معين يعرف صلاحياته الدستورية ومارس الولاية العامة ابتداء من اختياره لوزرائه وانتهاءً بالقرارات التي يتخذها مجلس الوزراء باعتبارها جزءاً من السلطة التنفيذية.) انتهى الإقتباس.

ويدلي رئيس الوزراء الأسبق دولة الدكتور معروف البخيت في ذات الندوة بشهادة صادقة ومنصفة بحق وصفي التل يقول فيها: (يحمل الشهيد وصفي التل في إهابهِ الشجاعة بنوعيها المادية والأدبية مثلما يحمل صفتي الحزم والعدل معاً كما يحمل شجاعة في ميدان القتال معروفة للجميع وخاصة في معارك (الجليل) على ثرى فلسطين عنما كان قائداً لفوج اليرموك الرابع والتي أصيب في إحداها بشظية في ساقه.

وهناك الكثير من الوقائع التي يعرفها الكثيرون والتي تدل على صفة العدالة عند (وصفي).. فهو لم يُحابِ صديقاً او قريباً بل كان يؤمن بالكفاءة.. ويُروى أن أحد زملائه الوزراء رَشَح له شخصاً ليُعَين سفيراً.. مؤكداً على حسن اخلاقه واستقامته.. فما كان من (وصفي) إلا ان أجاب على الفور: إذا كان فاضلاً أميناً فيمكنك مصاهرته لكننا لن نعينه سفيراً، لأن الكفاءة هي مسطرة القياس ومصلحة الوطن فوق كل اعتبار)

وفي ذات السياق يقول نائب رئيس الوزراء السابق معالي الدكتور رجائي المعشر خلال ندوة عقدها نفس المركز بعنوان (قراءات في فكر وتجارب وصفي التل) ما يلي: (كان وصفي التل أردنياً عربياً ورمزاً للولاء والانتماء ... وكان شجاعاً في حمل أمانة المسؤولية فلا يُجير من موقعه مسؤولياته الدستورية لأحد، ولا يختبئ خلف اية جهة عنما يتخذ القرار على مستوى الدولة وانما يتحمل مسؤوليته كرجل دولة.)

وتحضرني في هذا المقام مقابلة متلفزة أجراها الإعلامي اللبناني الزميل عادل مالك مع دولة الشهيد وصفي التل في العام (1971) م أقتبس من محتواها سطراً واحداً وبالحرف الواحد مما قاله شهيد الوطن والأمة والقضية وصفي التل حيث يقول في معرض رده على سؤال للإعلامي مالك :(إن الوزراء إذا لم يقوموا بواجبهم على الوجه الأكمل يصبحون مشكلة تؤرق الوطن).

(3)

وبهذا الصدد يقول معالي الدكتور حازم نسيبه والذي كان لصيقاً وملازماً لوصفي التل ووزيرا للخارجية في حكومته الثانية يقول في ندوة تلفزيونية: (كان وصفي التل رجلاً واسع الأفق بعيد النظر وكانت أحلامه واهتماماته سياسية بقدر ما كانت عسكرية واقتصاديةٍ وعمرانية مثلما كانت إدارية ونهضوية وإصلاحية. كان وصفي يقرن اللين بالمرونة والاخذ والعطاء بالحسم الواثق. وكان رجل دولة رفيع السوية يربط ربطا محكماً بين ما هو داخلي وبين ما هو خارجي لأنه يعرف عن يقين مدى الترابط العضوي بين الساحتين ولأنهما وجهان لعملةٍ واحدة. ومن أبرز مزايا وصفي السياسية انه كان يعرف حدوده وحدود القانون وحدود القوة له وعليه في تعاطيه مع مختلف الفاعليات على الساحتين الداخلية والخارجية.

ويستعيد الدكتور نسيبه شريط الذكريات مع الشهيد وصفي التل عندما كان وزيرا للخارجية في حكومة وصفي الثانية و يروي واقعة طريفة تحمل دلالاتٍ عميقة حيث يقول:(كان وصفي لا يتسامح مع وزير إذا خالف أنظمة السير. وقد حدث مرة أن أوقفت سيارتي على الرصيف بالقرب من سينما (رغدان) التي ذهبت إليها.. وفي اول اجتماع لمجلس الوزراء قال وصفي: (إذا خالف الوزراء أنظمة السير كيف نتوقع من المواطنين التقيد بها.) وكان يشير بنظره نحوي دون أن يُشعر أحداً بذلك!! وقد فهمنا جميعاً في مجلس الوزراء أن وصفي التل كان حريصاً على مسلك وزرائه ويستعلم عن تصرفاتهم حتى إذا خالف أحدهم نظاماً يلفت نظره بلهجة عتاب لا تخلو من الحزم!!

وكان وصفي حين يلمس مني كوزير للخارجية أنني لست خشناً او صلباً بما فيه الكفاية يقول لي مازحاً ومداعباً :(يا أخوي يا دكتور حازم انت معاليك تصلح لتكون وزير خارجية مثالي للدانمرك!!) ويضيف الدكتور نسيبه قائلاً: كنت آخذ مداعبته بإذن صاغية ونفس راضية!!

وفي الختام أقول ويحَ قلمي !!فأنا أخالُه يقف حائراً من أين يبدأ!! هل يشرع في الحديث عن غلاوة الرمز الكبير وموقعه في وجدان الوطن وقلوب الناس؟ ام تراه ينحو نحو الحديث عن بيدر العزّ والغلال والإنجازات الكثيرة ومثيلاتها من الطموحات الكبيرة التي سطرتها على أرض الواقع حكومات (وصفي) المتعاقبة بهديٍ وتوجيهٍ ودعمٍ من جلالة الحسين العظيم.. أم تراه يرفع الرأس زهواً وافتخاراً، كما الأردن، وهو يستعرض معالم النهضة الزراعية والصناعية والثقافية والعلمية والطبية والمائية والإعلامية والشبابية.. و..و!! أم تراه يشرح الشوق والحنين للرمز الكبير؟!

(4)

وأجدني والحالة هذه الوذ إلى محيطِ بيان ِ ومخزونِ شعرِ الصديق العزيز معالي الأستاذ حيدر محمود (أبو عمار) الذي اشاطره ويشاطرني عشق ومحبةَ (وصفي) والاشتياق إلى طلتهِ البهية.. ونبسمل معاً.. ونتلوا سورة (الضُحى).. ثم استعير "ثلاثاً" من دُرر (أبي عمار) ولآلئه المنذورة للغالي (وصفي) والتقطها بتؤده من طوق الندى والحزن النبيل.. أقصد من ثنايا رائعته بعنوان :(إرجع ولو شوكةً في الخصر توجعني !!).

نعم.. أستعير ثلاث لآلئ بالعدد من محيط بيانهِ الجزل وبالتحديد من قصيدته العصماء التي تقطر وجعاً والتي يناشد من خلالها (وصفي) للرجوع إلينا،ولكي تكون هذه الدُرر المعدودة مرسال قلمي ورسول فؤادي من مداد ووجع رائعة (ابي عمار) إلى مقام (خال عمار) الذي طال غيابه وطال الشوق والحنين لرجوعه!! وهاكم بوح الدُرر وهي تناجي (وصفي):

"وصفي"وأعرف أن الروح تسمعني إرجع ولو شوكة في الخصر توجعني

هذا حمانا ونحن العاشقون له وأنت في كل قلبٍ غير مرتهنِ

يا خال عمار صار الناس مزرعةً للعابثين وباتوا هم بلا سكن


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية