صعقة كهرباء لفساد النهج

الكاتب : جميل النمري

من الزاوية الفنّية البحتة يبدو ان الانتقال من شريحة أدنى الى أعلى هو المسؤول عن ارتفاع فواتير الكهرباء. ويبدو ان هذا الانتقال سببه التأخر في قراءة العدادات فتضاف فترة التأخير (لنقل اسبوع أو عشرة أيام ) الى الشهر اللاحق. واذا افترضنا ان الاستهلاك زاد اصلا في فترة البرد الماضية فيصبح الانتقال الى الشريحة الأعلى فالأعلى اكثر احتمالا

لم يكن واردا في اعتقادي وجود تلاعب كيفي (هكذا!) في قيمة الفواتير، والسبب آنف الذكر يفسر بطريقة منطقية الارتفاع ولدينا المعلومات الصادمة التالية: أن نسبة التأخر في قراءة العدادات وصل ما بين 70 % الى 90 % في الأشهر الثلاثة الأخيرة وأن ما يصل الى 270 الف مشترك انتقلوا من شريحة الى الشريحة الأعلى خلال الفترة الماضية

هذه المعلومات كشف عنها تقرير اللجنة المشتركة التي تحقق في الشكاوى من ارتفاع الفواتير. وهو ليس رسميا بعد وسيخضع للحوار الأحد القادم ولدى اللجنة مزيد من التوضيحات ستطلبها والأمر يفتح على كل ملف الطاقة الشائك في الاردن وفي القلب منه الكهرباء واذ يفتح الغطاء عن تفاصيله وهو وصل الى درجة من التعقيد تجعل المراقب يتيه في دهاليزه ويمكن ان يكتشف المرء كيف توزع وتفصل وتنظم بطريقة تقعد أي عبقرية عن فكفكة طلاسمه التي ترفع الكلفة وتوفر الامتيازات الضخمة والتنفيع لمن هب ودبّ والارباح الجائرة للحيتان وفي النهاية استنزاف المال العام والمواطن بلا رحمة

إن كلفة الكهرباء على المواطن وعلى الاستثمارات الصناعية والزراعية والسياحية وعلى الخزينة عبر شركة الكهرباء الوطنية أثقلت على الاقتصاد بصورة خطيرة وأنهكته وأسهمت في التباطؤ والعجز عن الخروج منه وهذا نتاج أداء الحكومات المتعاقبة وبكلمة أخرى النهج السائد وقرارات الخصخصة والقوانين والاتفاقيات التي أبرمت وأشركت استثمارات في مجال التوليد والتوزيع مع بقاء المسؤولية العليا للدولة عن تحديد الأسعار وعن الربط بين اطراف المعادلة وقد ثبت ان هذه الترتيبات لم تكن لحماية المستهلك أكان مواطنا أم شركات بل الحفاظ على شراكة سلطوية فاسدة فوق أكبر قطاع اقتصادي على الاطلاق

والحقيقة ان هذا لا يشمل قطاع الكهرباء بل كل قطاع الطاقة فالدولة ما تزال تحتفظ بالمسؤولية عن تحديد اسعار المشتقات النفطية وكما في الكهرباء فهذا يلزمها بالمسؤولية عن أسعار الامداد من المصادر وكفالة كل مشروع ينشأ لإنتاج الطاقة أو توريدها بالكميات والأسعار بحيث ان الاستطاعة اي قدرة التوليد المتفق عليها مع حوالي تسعة مصادر تبلغ حوالي خمسة آلاف وخمسمائة ميجاواط تلزم الدولة (من خلال الكهرباء الوطنية) بدفع ثمنها بينما الحاجة الفعلية اليوم لا تزيد على ثلاثة آلاف وسبعمائة ميجاواط. وهكذا بدل ان يكون المقصود من اشراف الدولة ومسؤوليتها حماية المستهلكين أصبح العكس ضمان تدفيع المستهلكين ثمن الجشع والهدر والتنفيع والفساد

والمفارقات في اسعار المشتقات النفطية والكهرباء نفسها هذه الأيام تسلط الضوء على الغموض الشديد والشبهات، فقد تم الانتقال الى نظام التسعيرة المتغيرة (شهريا) للمشتقات ارتباطا بالسعر العالمي للنفط وبهذا الغطاء كان يتم تغيير الاسعار حتى اذا حدث مؤخرا ان النفط نزل ولم تنزل التسعيرة جاءت مبررات جديدة تربط التسعيرة بعوامل اخرى مثل ارتفاع اجرة بواخر النقل مع أن انخفاض سعر النفط بسبب انخفاض الطلب مع فيروس كورونا يفترض ان الطلب على النقل انخفض بما يخفض سعره

وزيرة الطاقة التي شرحت لي عن الالتباس عند الناس في موضوع الكهرباء (سأعود لاحقا لحديثها عن هذا الملف) أقرت ان الضريبة هي السبب الأكبر للسعر المرتفع للمشتقات النفطية عندنا مقارنة مع لبنان مثلا. عوائد الضرائب تبلغ مليارا ومائة مليونا ولنتخيل كم يثقل ذلك على الاقتصاد. هذا النوع بالذات من الضرائب هو من سمات الدولة الريعية التي نريد نقلها الى دولة الانتاج؟!

قطاع الطاقة هو عصب الاقتصاد. لعل قضية الكهرباء اليوم تلقي ضوءا على حقيقة النهج الفاسد الذي تحكم بهذا القطاع

الغد


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية