الدّينُ يُسْرٌ فلا تُعسِّروه

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

الدّينُ يُسْرٌ، حقيقةٌ غابت عن الأذهان؛ بسبب ما يقوم به البعض من التشديد على نفسه وعلى الآخرين، بقضايا ليستْ من صُلب الإسلام ولا جوهره بل معظمها من العادات التي تحتمل الاختلاف، والتغيّر بين زمان وآخر، ومكان وآخر.
فمثلا هناك من الإخوة من يربط بين التدّين ولُبْسِ الثوب وتغطية الرأس للرِّجال، مع أنّ المسلمين منتشرون في كلّ بقاع الأرض، ولكلّ دولة زيّها، فكيف نربط بين نوع اللباس الساتر للعورة وحقيقة الالتزام، لا أجد بينهما رابطًا. نعم أنْ يرتديَ المسلم الثوب أو أنْ يلبسَ العمامة تأسيًا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومحبةً له، فلا إشكال في هذا الأمر، أمّا أن يَعْلقَ في ذهنه أنه لن يكونَ ملتزمًا إلا بذلك، فهنا تكمن المشكلة؛ لأنّ الدِّين إيمانٌ أي تصديقٌ بالقلب، وإسلامٌ أي عملٌ بالشرع، وإحسانٌ أي حرصٌ على مكارم الأخلاق، أمّا العادات كآداب الطّعام والشّراب واللّباس والنّوم، والرّكوب فليست إلا مكمِّلات أي أنها من باب المحبّة والحرص الشّديد على الاتباع فقط، وليست من صُلب الدين وأساساته.

نعم، يُؤجرُ الإنسانُ على محبَّته واتّباعِه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والنّاس في الحبّ والاتّباع درجات، لكنْ من المُمكن أنْ يكونَ المسلمُ متديّنًا ملتزمًا لو لبس البنطال، واستعمل فرشاة الأسنان، وركب السيارة والطيارة، واستعمل (التاب) في القراءة بدل الكتاب، وقرأ القرآن بطريق الجوّال، ونام على أيّ جنب يريحه.

لستُ ضدّ الحرصِ على تلك العادات، لكنني ضدّ أن تُحصرَ صورةُ الإسلام بها، وكأنّها هي لبُّ الدّين ولا شيءَ سواها، وهنا ننظرُ في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنرى كيف كان يلخّص جوهرَ الإسلامِ للنّاس:

ففي صحيح البخاريّ أنّه جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان». قال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق».

وروى أحمد في مسنده عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: بَعْدَكَ - قَالَ: « قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ».

وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا».

الدستور


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية