عماد مجاهد يكتب: الغرباء

بقلم: عماد مجاهد

يقول عالم النفس الشهير سيجموند فرويد: إذا وجد موهوبان موسيقيان أحدهما في باريس والآخر في الكونغو، فإن الموهوب الموسيقي في باريس سيصبح موسيقاراً كبيراً بمستوى باخ أو بتهوفن، أما الموسيقي الموهوب الآخر الموجود في الكونغو فإنه سيصبح من أشهر قارعي طبول القرية.

هذا القول من عالم النفس الشهير فيه معانٍ غاية في الأهمية، فالبيئة والثقافة المحيطة بالمبدعين والموهوبين هي عامل أساسي يحدد مستوى الابداع في شتى مجالات الحياة، فلو عاش الموهوب في دولة حضارية ومجتمع مثقف داعم للعلم والثقافة، فسوف يصل إلى مستوى متطور على مستوى العالم، نتيجة اهتمام مجتمعه وبيئته وحكومته، بينما الموهوب الذي يعيش في بيئة بعيدة عن الحضارة والاهتمام بالموهوبين، ويبقى مستواه متواضعا مهما اجتهد وقدم.

الغريب أن من يقرأ سيرة العلماء والموهوبين على مر التاريخ، سيفاجأ بأن معظمهم تعرض للكثير من الاضطهاد والتعذيب والإهانة والفقر والموت أحيانا، فمثلا نشر كوبرنيكس كتابه حول مركزية الشمس (المدارات) سنة 1534وهو على فراش الموت خوفا من القضاء آنذاك، كما أصدر قاضي روما حكما على جيوردانو برونو سنة 1601 بربطه بحبل رطب يشتد تدريجيا حول عنقه ليخنقه بشكل تدريجي حتى الموت في الطريق العام، وبحسب الروايات كان المارة الذين اقتربوا منه يسمعوه يتمتم ويقول إن الأرض كروية. حتى أن غاليليو نفسه لم يسلم من القضاء الذي فرض عليه التراجع عن نظريته التي تقول ان الشمس هي مركز المجموعة الشمسية وان الأرض كروية، وبعد خروجه من المحكمة سمعه حراس المحكمة وهو يقول ومع ذلك فان الأرض كروية!!

في سنة 1980م اغتال الموساد الإسرائيلي العالم النووي المصري الشهير يحيى المشد الذي قاد المشروع النووي العراقي، وقبل اغتياله بفترة قصيرة واثناء زيارته لمصر، التقى بالصدفة مع أحد الإعلاميين الذي وجه له رسالة عتاب كونه لا يزور بلده مصر التي ولد فيها وترعرع، فرد عليه قائلا أنا يا عزيزي أزور والدتي كل أسبوعين مرة تقريبا في إجازة خاصة وبطائرة خاصة ليومين فقط، ثم اعود لعملي مباشرة، فقال له الصحفي لماذا لا نعرف أنك في مصر، فأجابه المشد لأنني لست من نجوم الفن والرقص والطرب!!

يوم الخميس الماضي اتصل بي مخترع أردني يقيم في الأردن، قال لي أنه سجل أكثر من مئة اختراع، فوجهت له سؤالا وهو هل تم تصنيع هذه الاختراعات في الأردن أم في الخارج، فقال لي انه لم يلق أي اهتمام من أي جهة داعمة لتصنيع اختراعاته التي تفيد الأردن والبشرية على وجه الأرض.

وفي حديثي عن المخترعين الأردنيين، اذكر انه اتصل بي مخترع أردني آخر قبل شهرين، وهو اسم معروف جدا لدى الجهات الرسمية ذات العلاقة، يطلب مني مساعدته في تأمين وظيفة من خلال معارفي لإعاشة أسرته، أو مساعدته في وظيفة لإحدى بناته التي تخرجت حديثا لكي تساعده أيضا بدلا منه.

ما يحدث في بلادنا العربية من اللامبالاة والاضطهاد وعدم الاحترام من قبل الحكومات والقطاع الخاص مؤلم وغريب جدا، بينما تسعى فيه دول العالم المتقدم للبحث عن الموهوبين والمخترعين واستغلال قدراتهم لتحويل أفكارهم في التصنيع التي تعتبر الداعم الرئيسي لزيادة الصادرات وضخ الخزينة بمليارات الدولارات تزيد عشرات أضعاف ما يدخل من عملة صعبة على كبرى الدول المصدرة للنفط.

معظم المخترعين والموهوبين في الدول العربية يهاجرون الى دول أوروبا والكاوبوي الأمريكي والنمر الاسيوي، وأصبحوا من كبار العلماء والمخترعين فيها، لكنهم غدو غرباء عن بلادهم التي لم يتمكنوا فيها من العثور على وظيفة يعيشون منها، فطوبى للغرباء!!.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية