عبد الكريم الخلايلة.. علامك غبت والدنيا تشارين

كتب اميه العلوان

"أبو أنور" رجلٌ من الزمن الصعب، زمن الرجال البناة الأشاوس. الرجال الذين يشبهون هذا البلد وصلابته وحلاوته، الذين يشبهون الخير.

أبو أنور ملازم الرجال والطيب والنخوة والكرم والجود وإصلاح ذات البين وإغاثة الملهوف.

بحضوره كانت هذه المعاني التي اندثرت لا تزال حاضرةً. أبو أنور تتمثّل فيه قصص الرجال التي نسمعها اليوم، حكايات جميلة نحنّ لها وما عدنا نراها ..لم يغيّبها يوماً وكانت عنوانه واشتهر بها. توفّاه الله ودلّته عامرة بطيب الكرم..

في أواخر أيامه ضعف جسده وصوته وما ضعفت همته ..هذا طبع زيتون البلد وسنديانه ..

هم الكبار يرحلون في تشارين وأعيد فيكَ قول الراحل الكبير حبيب الزيودي في القائد الكبير حابس المجالي اللذين رحلا أيضاً في تشارين ..

إلك كانت يا أبو الشومات شومات عليها زغردت مريوشة العين .. وإلك كانت مع الفرسان صيحات ترجّ بعصفها أركان الميادين

اشتهر أبو انور بإصلاح ذات البين حتى أواخر عمره فدخل بيوت الناس وحفظ أسرارها ودخل في تفاصيل الناس وهمومهم وكتمها أميناً مصلحاً محباً فأحبه الناس واستأمنوه على خلافاتهم الزوجية والعائلية والعشائرية ..

فما كان أحدٌ من قومه أو جيرانه يخشى أمراً لا يٌحلّ -باذن الله- وأبا أنور حاضراً فكانت "رقبته سدّاده" وكان كفيل دفا وكفيل وفا

الحديث فيك أيها الكبير كثير وطويل ولا يوفّيك حقك، عشرات بل مئات الأسر والعوائل من الناس باتت آمنةًو هادئة البال بفضل الله وفضلك في حل قضايا شائكة ما كانت ستحلّ لولا ثقة الناس فيك ولولا حرصك ونخوتك وطيبك.

لا يرحل الكبار رحيلاً كاملاً .. فقط الأجساد التي ترحل ..

لسان حال أولاده اليوم كما قال الشاعر:

"أماتَ أَبوك ؟

ضَلالٌ ! أنا لا يموتُ أبي .

ففي البيت منه

روائحُ ربٍّ .. وذكرى نَبي

هُنَا رُكْنُهُ .. تلكَ أشياؤهُ

تَفَتَّقُ عن ألف غُصْنٍ صبي

جريدتُه . تَبْغُهُ . مُتَّكَاهُ

كأنَّ أبي – بَعْدُ – لم يّذْهَبِ

وصحنُ الرمادِ .. وفنجانُهُ

على حالهِ.. بعدُ لم يُشْرَبِ

ونَظَّارتاهُ .. أيسلو الزُجاجُ

عُيُوناً أشفَّ من المغرب ؟

بقاياهُ، في الحُجُرات الفِساحِ

بقايا النُسُور على الملعبِ

أجولُ الزوايا عليه، فحيثُ

أمرُّ .. أمرُّ على مُعْشِبِ

أبي.. لم يَزلْ بيننا، والحديثُ

يسامرنا.. فالدوالي الحُبالى

تَوَالَدُ من ثغرهِ الطَيِّبِ..

أبي خَبَراً كانَ من جَنَّةٍ

ومعنى من الأرْحَبِ الأرْحَبِ..

أبي يا أبي .. إنَّ تاريخَ طيبٍ

وراءكَ يمشي، فلا تَعْتَبِ..

على اسْمِكَ نمضي، فمن طّيِّبٍ

شهيِّ المجاني، إلى أطيبِ

حَمَلْتُكَ في صَحْو عَيْنَيَّ.. حتى

تَهيَّأ للناس أنِّي أبي..

أشيلُكَ حتى بنَبْرة صوتي

فكيف ذَهَبْتَ.. ولا زلتَ بي؟

إذا فُلَّةُ الدار أعطَتْ لدينا

ففي البيت ألفُ فمٍ مُذْهَبِ"

أهلي من العبابيد في ضاحية الأمير حسن والجميع يقبلون التعازِي اليوم في فقدك فالخسارة خسارتنا جميعاً، لكنه الحق وقدر الله ..

نم أيها الزيتونة المعطاءة، نومتك الهانئة الهادئة وقد تركت وراءك أبناءً وأحفاداً من خيرة رجال الوطن ليبقى عبقك حاضراً وليبقى زيتك يضيء السراج في عتمة الطريق ولتبقى شاخصةً في قلب البلد تٌذكرنا دوماً بطيب الرجال وتبقينا على عهد الشيم والقيم والوفاء والنبل
نم يا آخر الفرسان من الزمن الوعر والخلق النبيل.

وداعاً يا زيتونة الخير ..


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية