عرب الجاهلية ومن تلاهم

الكاتب : ماهر ابو طير

في ساعة واحدة، يصاب مائة وعشرون عراقيا، جراء المواجهات مع القوات الأمنية، خلال المظاهرات التي خرجت احتجاجا على الفساد وسوء الأوضاع، والحمد لله، فإن الرقم متواضع مقارنة بالأرقام في بقية الأيام، وهذا يسجل لكل الأطراف، ويعبر عن حكمة

الإنسان العربي ليس له قيمة أو وزن، هذا ما يتوجب علينا الاعتراف به، ليس له قيمة أو وزن في موازين السلطات الرسمية العربية، ولو تأملنا أرقام الربيع العربي وحدها، لذهلنا جميعا، من حيث ملايين القتلى والجرحى والمشردين، وأعداد كبرى اختفت، أو مساجين باعتراف الرسميين في دول كثيرة، لكن المشترك بين الكل ان هذه مجرد أرقام، لم تعد تعني شيئا، ويتم الإعلان عنها يوميا بشكل عادي، ولربما تستمتع السلطات الرسمية بإعلان هذه الأرقام من اجل اخافة البقية، وانهم سيلقون ذات المصير الاحصائي، اذا تمردوا

اذا عدنا الى البنية الدينية بمعناها الثقافي، فإن حرمة إيذاء الانسان وقتله، حرمة مرتفعة جدا، وإذا كان العرب قبل الإسلام قدموا نماذج بشعة في الاقتتال، وقدموا أيضا نماذج مؤلمة من ذات الطينة بعد الإسلام، فإن الدين على ما يفترض جاء لوضع قاعدة أخلاقية، بين الانسان والانسان، والانسان والحاكم، لكن ما نراه اليوم، يثبت اننا لا نخضع الى قواعد الإسلام ولا الجاهلية، وندور في فلك دموي لا حد له

اسأل نفسي سؤالا واحدا عن كل أولئك الملايين الذين قتلوا منذ فترة قدوم الاستعمارات الى منطقتنا، وما تلاها من ظروف وفتن وفوضى، تحت عناوين مختلفة، أي أولئك الذين قتلوا مجانا في مائة عام أخيرة، وماذا حقق رحيلهم، وماذا استفادوا حقا، من هذا المصير، ثم ما هو نتاج كل هذا المشهد على الذين تجرعوا مرارة فراق هؤلاء، الذين رحلوا اما مجانا دون سبب، او تلبية لشعارات جوفاء، او دفعوا كلفة الصراعات في المنطقة؟!

تتصفح يوميا، الإعلام الورقي والإلكتروني، والعناوين كما يلي، مائة قتيل في ادلب، مائتا جريح في البصرة، عشرون جريحا في غزة، مائة جريح في عدن او صنعاء، مائتا قتيل في طرابلس الغرب الليبية، سبعة جرحى في بيروت، وهكذا تتوالى الأرقام، وما هو مثير حقا، حالة الاعتياد على الأرقام، اذ لم تعد تسبب ردة فعل عند احد، بل باتت عملية عادية، وكأننا في أعلى درجات فقدان انسانيتنا، أو انفصالنا عن الاخرين، أو تعبيرا عن الانانية المفرطة، ما دمنا سلمنا نحن، وتضرر الآخرون

المفارقة المذهلة أيضا، اننا نتباهى بقلة حصيلة الضحايا، اذ لو وقعت مواجهة في بغداد، وادت الى جرح خمسين شخصا، لقلنا الحمد الله، لم يصل العدد إلى أكثر من الخمسين، وهذا تورط نفسي في المقارنات بين مشهد دموي وآخر، في هذا العالم العربي المنكوب الفقر والفساد والجوع والذل واستعباد السلطة للناس

مأزق الأرقام رأيناه في الانتفاضة الفلسطينية، في دورتيها، إذ كنا نغضب بشدة في الأيام الأولى، حول عدد الجرحى أو الشهداء، أيا كان، ومع التدرج والاعتياد بات المراقبون والمتابعون يسمعون ارقام الضحايا بكل برودة أعصاب وهم يـتأملون شاشة التلفزة، ويشربون قهوتهم، فلا شيء يستحق وقف هذه الطقوس، والأرقام مجرد مؤشر

لقد كان الموت في ثقافات كثيرة، منتجا، فأنت تعرف لماذا تقدم دمك، وتعرف انه لن يضيع هدرا، وسيقطف ثمر تضحيتك غيرك، لكننا في العالم العربي، فوق مساوئنا التاريخية، نقدم موتا غير منتج، غير مفهوم الأسباب، ولا يتم حتى توظيفه من اجل الاحياء، وهي حالة ندر ان نراها الا في هذا المشرق، ورفيقه المغرب العربي، ويكفينا ادانة لأنفسنا سردنا للأرقام كل يوم، لكن لا أحد يتحدث عن وجوه الأبناء والامهات، وقصص الجدات، واحلام الضحايا، ومن بكى عليهم، ومن تألم ، ومن خسر كل شيء؟.(الغد)


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية