اَلْقُوَةُ الْتِي تَأْمُرُ وَتَنْهَى فِي اَلْعَالَمِ

الكاتب : أ.د. بلال ابوالهدى خماش

إن قصة إبني آدم قابيل وهابيل في بداية الكون تعطينا أولاً: من اسم كل واحد منهما معاني كثيره فإسم هابيل أنه إنسان مسالم وليس في طبعيته الشر أو التركيز على القوة وإستخدامها وهمه الآخرة وليس الدنيا ... إلخ وإسم قابيل يعني أنه مقبل على الحياة ومن طبيعته الشر والقوة وإستخدامها ويحب الحياة الدنيا عن الآخره ويتضح لنا ذلك من الأيات (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (المائدة: 27 – 30))، وثانياً: فمما حدث بين الأخوين يتضح لنا أن الحياة في هذه الدنيا للقوي وليس للضعيف. والقوة التي تأمر وتنهى في الحياة الدنيا وليس غيرها لأن طبيعة البشر الشر وأكثرهم نفوسهم من نوع النفس الأمارة بالسوء. ولما تقدم قال الله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (الأنفال: 60))، وحتى يستطيع المؤمنون أن يأمروا وينهوا في هذه الحياة الدنيا يجب عليهم أن يعدوا القوة بكل أنواعها (علمية وتقنية وعسكرية ونووية ... إلخ). ومن ثم عند قرب نهاية الحياة الدنيا سنعود إلى قوة رباط الخيل لأن الله سيدمر ما صنعه الإنسان من مختلف أنواع القوة بأمره ولا يبقى إلا القوة البسيطة وهي السيف والخيل.

فأثبتت لنا كثيراً من الحروب والأحداث العالمية أن القوي ومن يملك عناصر مثلث الرعب في العالم وهي المال والعقل والقوة أكثر من غيره هو الذي يحكم العالم ويأتمر العالم بأمره خوفاً من قوته وبطشه على كل المستويات. فهناك دول كثيرة في العالم تملك المال الكثير ولكن ليس لديها عقول وربما لديها قوة إمتلكتها بالمال وما زالت تتلقى أوامرها ونواهيها من الدول التي تمتلك عناصر مثلث الرعب بتفاوت وبالخصوص القوة وتطلب منهم الحماية. وحتى يكون للإنسان وجود في هذا العالم ويستطيع أن يحمي حقوقه وممتلكاته وحقوق وممتلكات وينصف غيره من المظلومين ويوقف الظالم عند حدوده ويمنعه من الإستمرار في ظلمه وإجرامه فيجب أن يكون قوياً. وسياسة القوة هذه هي التي منعت دولة ما أو دول معينة أن تتحكم في حياة البشر في هذا العالم. وحتى إختلاف الرسالات السماوية والمعتقدات ووجود الكافرين في هذا العالم جعل ميزان القوى أكثر إنصافاً بين الدول في هذا العالم الذي لا يرحم الضعيف. وهذا واضح في وجود الصين وكوريا والهند وغيرها من الدول وبالخصوص من ليس لهم رسالات سماوية ووقوفهم أمام أمريكا والدول الغربية ممن يدينون برسالات سماوية. أي بإختصار العالم يمارس ويطبق فيما بين دوله في وقتنا الحاضر نظام الغاب الأقوى هو الذي يبقى ويأمر وينهى بين الشعوب ولكن بأساليب مبطنه وغير مباشرة.

ولكنَّا كبشر وأصحاب رسالات وديانة سماوية وهي الإسلام ونتذكر أننا عندما كنَّا نملك عناصر مثلث الرعب (مثلث القوى الثلاثة)، كنَّا نأمر وننهى في العالم. ونذكر أيام أمير المؤمنين هارون الرشيد وقصته مع كيفورك ملك الروم آنذاك عندما حاول كيفورك أن يتمرد عليه في كتابٍ أرسله له شديد اللهجة معتقداً أنه عندما تسلم الحكم بعد إمرأة، أنه بالكلام والتهديد سوف يخرج عن أمر سيده أمير المؤمنين هارون الرشيد. فقال أمير المؤمنين لكاتبه أكتب على خلف كتابه (لا يستحق منَّا رقعة كتاب جديدة): من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى كيفورك كلــــب الـــروم سترى منا قبل أن تسمع وشد له الخيول وأعد الجيش لحربه فجاءه طائعاً صاغراً. ولا ننسى قصىة وامعتــصماه، عندما نصر المعتصم بالله المرأة التى حاول أحد جنود الرومان كشف عورتها برفع ثوبها عنها في السوق وكيف فعل المعتصم بالله بالرومان. فنعود ونقول القـــــــوة القـــــــوة ... القـــــــوة هي اللغة التي يفهمها أغلب بني البشر في هذا العالم لأنهم من أصحاب النفوس الأمارة بالسوء ولأن الأنعام أفضل منهم بكثير (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(الفرقان: 44))، (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚأُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(الأعراف: 179)). فأين المعتصم بالله؟ وأين هارون الرشيد؟ وأين صلاح الدين الأيوبي؟ وغيرهم عن الظالمين في هذا العالم الذي لا يرحم.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية