الرواشدة يكتب: اقتصادنا في غرفة الإنعاش

بقلم: سيف الله حسين الرواشدة

قد يحدث أن تكون جالسًا في مطعم تتناول القهوة، لتتفاجأ بالنادل يطلب منك أن تشارك في دفع فاتورة طاولة العشاء المجاورة لك بحجة أنك في نفس المطعم معهم، قد تجادله أنك لست مدعواً للعشاء أو أنك لم تختر معهم أي طبق من قائمة المأكولات، لكنه يصرّ عليك أن تدفع حصتك من فاتورة العشاء لنخرج جميعا من عنق الزجاجة.

وسيخبرك مدير المطعم أنه بدل سياسته من توفير الطعام للزبائن لتوفير المواد الأولية لهم، ليعدوا أطباقهم بأنفسهم مع إبقاء التسعيرة نفسها وإضافة بعض الزيادات عليها لتغطية مستحقات قرارات السياسات الخاطئة للإدارات السابقة.

ومن الممكن أنك قد سمعت وصف الروابدة لحالة الاقتصاد الأردني “أنه في غرفة الإنعاش” قبل عقدين من الزمن وأنك تعلم أنه بعد ١١ حكومة عاد الاقتصاد لغرفة الإنعاش وخطط البنك الدولي وصندوق النقد للإنقاذ من الموت السريري.

أتى الدكتور الرزاز بعنوان التحول من دولة الريع لدولة الإنتاج، وانسحاب الحكومة من دورها الأبوي في التوظيف لصالح التشغيل وتوفير البيئة المناسبة للإبداع والاستثمار، ليكون الهدف البعيد هو رفع نسب النمو التي ستخرج اقتصادنا من عنق الزجاجة، معتمدًا التقشف الحكومي والتوسع الضريبي ورفع التصنيف الائتماني للأردن لحيازة الثقة الاقتصادية اللازمة لاستقطاب الاستثمار وتحسين شروط الاستدانة، وخطط الإنقاذ الخاصة بالبنك الدولي التي أدت الى ارتفاع مستوى الدين وتدني شعور الأردنيين بالعدالة الاجتماعية (اللازمة للنهضة)، أما الدين العام المرتفع فيؤدي الى الازمة التي تؤدي الى التقشف لنعود لغرفة الإنعاش من جديد، ونحمل الأجيال القادمة وزر سياسات اليوم والبارحة المالية.

وفي ظل هذه الخطط ارتفع الدين العام في الأشهر الستة الأولى من هذه السنة بمقدار ١،٢ مليار دينار ليكون مجموع الديون الداخلية والخارجية ٢٩،٥ مليار دينار قبل نهاية عام ٢٠١٩، ولتبلغ نسبتها ٩٦،٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وخدمة دين سنوية تبلغ قيمتها ١،٧ مليار دينار تقريباً، ناهيك عن نسبة بطالة قياسية كسرت حاجز ٣٠٪ عموماً، و خط فقر عام تمكن من ٢٠ ٪ من الأردنيين، ونسبة نمو متوقعه لا تزيد المستقبل الا تأزيمًا.

ولنلخص الحالة الاقتصادية قد يصح القول: إن كل أردني مدين بما مقداره ٤٨٠٠ دينار تقريباً، وزد على ذلك تراجع لقطاع التجارة وقدرته على المنافسة المحلية والإقليمية، وانهيار للقطاع الصناعي وإغلاق أبواب عدد كبير من المصانع مع هجرة متزايدة لرؤوس الأموال والمستثمرين ومعهم الأردنيين أيضًا لدول الجوار وغيرها.

افتتحت حكومة الرزاز عملها في الملف الاقتصادي بقانون ضريبة الدخل، الذي لاقى استياء عامًا بين الأردنيون، وتبع ذلك توسعًا للحكومة في فرض الضرائب ورفع قيمها أو الغاء بعض الإعفاءات لتتراجع الواردات الضريبة بمقدار ١٠٪ ، وتبعًا لتصريحات الرزاز فالأردنيون يؤدون عبئاً ضريبيًا وصل الى ٢٦،٥٪ من دخلهم ، مما يعني أن أجور الأردنيين انخفضت بطريقة غير مباشرة وانخفض استهلاك الافراد وأنتج مجتمع “أكثر فقرًا” ومع تراجع الواردات خاصة تراجع مبيعات “الدخان و المشتقات النفطية والسيارات” ارتفاع عجر الموازنة لأكثر من ضعف القيمة المتوقعة لهذا العام حسب تصريحات الحكومة، ومازالت الحكومة تلجأ للاقتراض كما توضح الأرقام السابقة لسداد خدمة الديون السابقة أو لتغطية العجز والنفقات الجارية لنعود الى الدائرة المغلقة بعنوان “الاستدانة لسداد ما استدناه سابقًا” مع تقليص للنفقات الرأس مالية بنسبة ١٣٪ خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، هذه النفقات التي تعود على الخزانة بالأموال لنتمكن من السداد ورفع نسب النمو وتقليل البطالة.

ترتفع نسب النمو بوجود المنافسة لا بزيادة الاستهلاك، والمنافسة تحتاج الى يقين واطمئنان قطاع الاعمال بمستقبل الاقتصاد الأردني، وهذا لا يحصل الا إذا ملأت الحكومة الفراغ المالي (لتشغيل المضخة) من خلال إنفاق المال الذي ينام عليه القطاع الخاص بصيغة الادخار اليوم، بسبب عدم يقينه من الغد الاقتصادي، فالثقة واليقين هما من آثار النمو وليس العكس وكذلك التقشف الحكومي لا يفيد في تقليص الدين العام على العكس فهو يؤدي الى ركود عام وانسحاب للحكومة من الخدمات الاجتماعية التي تجعل وجود الطبقة الوسطى ممكناً.

اذن فضخ المال في حساب النفقات الرأسمالية يحرك السوق ويخلق المنافسة، التي ترفع نسب النمو اللازم لعودة ثقة قطاع الاعمال والاستثمار في الاقتصاد الوطني وقتها قد نخرج من عنق الزجاجة.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية